هناك فنانون يرسمون ما تراه أعينهم، وآخرون يرسمون ما تحتفظ به ذاكرتهم، أو ما فقدوه، أو ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه. أمّا إيتيل عدنان، فقد فعلت ذلك كلّه.
وُلدت إيتيل عدنان في بيروت عام 1925، وأصبحت واحدة من أبرز الأصوات في الفن والأدب العربي الحديث. شاعرة وفيلسوفة ورسّامة، تنقّلت بين لغات وبلدان وحقول إبداعية مختلفة، وحوّلت تجاربها إلى لغة فنية شديدة الخصوصية.
تتكرّر في لوحاتها الجبال والشموس والمساحات اللونية الجريئة. لكنّ بساطتها الظاهرة تخفي عالماً من الذاكرة والاغتراب والطبيعة والانتماء.
حياة بين الثقافات
وُلدت عدنان لأب سوري من دمشق وأم يونانية من إزمير. نشأت في بيروت وتلقّت تعليمها باللغة الفرنسية، وسط ثقافات وتقاليد متعددة. وقد ترك هذا التنوّع أثراً عميقاً في استكشافها الدائم للهوية واللغة ومعنى الوطن.
درست الفلسفة في باريس، ثم تابعت دراساتها في الولايات المتحدة، بما في ذلك في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة هارفارد. وعملت لاحقاً أستاذة للفلسفة في كاليفورنيا، قبل أن تحظى أعمالها التشكيلية باعتراف عالمي واسع.
كانت الكتابة لغتها الإبداعية الأولى، لكنّها بدأت باستكشاف الرسم في أواخر خمسينيات القرن الماضي وبداية الستينيات. وفي ظلّ حرب الاستقلال الجزائرية، أصبحت أكثر حذراً تجاه الكتابة بالفرنسية، لغة تعليمها. فوجدت في الرسم وسيلة أخرى للتعبير، ارتبطت بفكرتها اللافتة عن «الرسم باللغة العربية».
لم يكن ذلك مجرّد تغيير في الوسيلة الفنية، بل بحثاً عن الحرية وعن طريقة جديدة للتعبير عن الهوية.
الجبل الذي أصبح مصدر إلهامها
كان جبل تامالبايس في شمال كاليفورنيا أحد أبرز العناصر في عالم عدنان الفني.
كان الجبل مرئياً من منزلها في سوساليتو، فأصبح موضوعاً متكرّراً في لوحاتها. كما أنّ شكله كان يذكّرها بجبل صنين في لبنان، رابطاً بين مكانين بعيدين عبر الذاكرة.
لم تسعَ عدنان إلى رسم الطبيعة بصورة واقعية، بل اختزلتها إلى أشكال أساسية وألوان نابضة بالحياة. تحوّلت الجبال إلى تكوينات هندسية، فيما صنعت الشموس والآفاق تباينات لافتة بين الضوء والألوان.
تلمّح أعمالها إلى أنّ الانتماء لا يرتبط دائماً بالمكان الذي وُلدنا فيه؛ فقد يوقظ مكان نكتشفه لاحقاً ذكريات مكان آخر.
قوّة اللوحة الصغيرة
كثير من لوحات عدنان صغيرة وحميمة، لكنّ ألوانها تمتلك قوّة استثنائية. استخدمت سكّين الرسم لوضع الألوان بضربات حاسمة، محافظةً على استقلالية الأحمر والبرتقالي والأزرق والأخضر.
كان أسلوبها يعتمد إلى حدّ كبير على الحدس. وقد وصفت ذات مرة كيف تبدأ لوحة بمربّع أحمر، ثم تستدعي هذه البداية الحركات التي تليها. وهكذا، يصبح كلّ أثر لوني استجابة لما سبقه، وتتطوّر اللوحة بصورة طبيعية.
تبدو النتيجة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد. فقد أثبتت عدنان أنّ بضعة أشكال وألوان يمكنها التعبير عن مشاعر قد تعجز الصور المعقّدة عن نقلها.
أكثر من رسّامة
يتجاوز إرث عدنان الرسم إلى الأدب، حيث واجهت كتاباتها الحرب والعنف السياسي والانقسامات التي شكّلت الشرق الأوسط الحديث.
ومن أشهر أعمالها رواية ستّ ماري روز، الصادرة عام 1977، التي تتناول قسوة الحرب الأهلية اللبنانية وصراعاتها الأيديولوجية. وقد نالت الرواية جائزة الصداقة الفرنسية العربية في العام نفسه.
كما كتبت الشعر والمقالات، وأنجزت كتباً مصوّرة ومنسوجات جمعت فيها بين الكلمات والصور. وعلى اختلاف هذه الوسائط، ظلّت أعمالها مرتبطة بأسئلة الهوية والحرية والتجربة الإنسانية.
بداية غير متوقّعة
لم تكبر عدنان محاطة باللوحات، ولم تبدأ حياتها وهي تطمح إلى أن تصبح فنانة تشكيلية مشهورة. فقد استذكرت حضور السجّاد ونقوشه في عالم طفولتها، قبل أن تتعرّف إلى أعمال فنية كبرى في باريس.
إنّها تفصيلة تنسجم مع أسلوبها، الذي يعتمد على اللون والإيقاع واختزال الأشكال. فالإلهام قد يأتي من أماكن غير متوقّعة، والحياة الإبداعية لا تسير دائماً وفق مسار محدّد مسبقاً.
كانت عدنان قد بنت عالماً فكرياً غنياً قبل أن يصبح الرسم محوراً أساسياً في تجربتها.
إرث يتجاوز الحدود
في عام 2012، شاركت عدنان في معرض «دوكومنتا 13» في مدينة كاسل الألمانية، ما أسهم في وصول أعمالها إلى جمهور عالمي أوسع. واستمرّت لوحاتها وكتبها ومنسوجاتها في جذب الاهتمام في عالم الفن المعاصر.
توفيت في باريس في تشرين الثاني 2021، عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركةً إرثاً تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية والفنية.
أثبتت إيتيل عدنان أنّ الوطن يمكن أن يوجد في أكثر من مكان، وأنّ اللون يستطيع التعبير عمّا تعجز عنه الكلمات، وأنّ الحياة التي تتشكّل عبر التنقّل يمكن أن تبقى متجذّرة بعمق.
في مكان ما بين جبل في كاليفورنيا وذكرى من لبنان، وجدت إيتيل عدنان عالماً يشبهها وحدها.
