سوريا | سبتمبر 2026
في مختلف أنحاء سوريا، بدأت المساحات الثقافية تستقبل جمهورها من جديد.
خلال عام 2026، بدأت المسارح والمتاحف وصالات العرض والمراكز الثقافية في مدن مثل دمشق وحمص وإدلب وأعزاز باستعادة نشاطها، من خلال ترميم المباني التاريخية وإعادة تنظيم المعارض والعروض والحفلات والبرامج الثقافية في أماكن بقي بعضها مغلقاً أو متضرراً لسنوات.
وتأخذ هذه العودة أشكالاً مختلفة؛ فبعض المساحات فتحت أبوابها بالفعل، بينما لا تزال أخرى في مراحل الترميم أو تستعد لاستقبال جمهورها من جديد.
مسرح يعود إلى دمشق
من أحدث المساحات التي عادت إلى الحياة مسرح الحمرا في دمشق، الذي أعيد افتتاحه في سبتمبر بعد عملية تأهيل استمرت نحو تسعة أشهر.
افتتح المسرح للمرة الأولى عام 1960 كجزء من تطور المسرح الوطني السوري، وشملت أعمال التأهيل قاعة العرض والمقاعد والمكاتب والمناطق الخلفية ومساحات التخزين. كما تم استعادة بعض المعدات الأصلية، من بينها بيانو يعود إلى عام افتتاح المسرح.
ومع إعادة فتح أبوابه، عادت العروض إلى خشبته، من بينها فعاليات أيام مسرح الطفل والمسرحية العربية Fella and the Seven Dwarfs.
الحفاظ على الذاكرة الفنية السورية
في وسط دمشق، عادت مساحة فنية أخرى إلى الواجهة: غاليري مرسم فاتح المدرس.
أسس الفنان السوري الرائد فاتح المدرس مرسمه عام 1967، ولم يكن مجرد مكان للعمل، بل تحول أيضاً إلى مساحة تجمع الفنانين والكتّاب والمثقفين.
بعد أعمال ترميم شملت معالجة الجدران المتضررة من الرطوبة، مع الحفاظ على فرش الفنان وألوانه وأدواته ومقتنياته الشخصية وجدارية كبيرة، أعيد افتتاح المرسم في سبتمبر.
أما أول معارضه بعد إعادة الافتتاح فهو «أحد عشر عاماً» للفنان السوري خالد العطار، الذي يعود من خلاله إلى عرض أعماله في دمشق بعد أكثر من عقد خارج البلاد.
متاحف تستعد لفصل جديد
وتتواصل عملية استعادة الحياة الثقافية في المتاحف السورية أيضاً.
في إدلب، بدأت الاستعدادات لترميم متحف معرة النعمان، الموجود داخل مبنى عثماني يعود إلى القرن السادس عشر، والذي اشتهر باحتضانه مجموعة مهمة من الفسيفساء الرومانية والبيزنطية.
تعرض المبنى لأضرار كبيرة خلال الحرب، كما تضررت أجزاء من مجموعته الأثرية. ويجري حالياً إعداد دراسة هندسية لتحديد تكلفة أعمال الترميم، فيما تم توثيق القطع الأثرية المتبقية وتغليفها وتخزينها إلى حين استكمال الترميم ووضع تصور جديد لعرض المجموعة.
وفي حمص، بدأ متحف حمص باستقبال الزوار مجدداً في أغسطس، للمرة الأولى منذ توقف نشاطه عام 2011. واستضاف فعالية «أسبوع النحت الحجري» التي عرضت قطعاً أثرية يعود بعضها إلى ما بين 3,000 و4,000 عام.
إلا أن الافتتاح الكامل للمتحف لا يزال مرتبطاً باستكمال عدد من الأعمال، من بينها تجهيز خزائن العرض والإضاءة المتخصصة وأنظمة التحكم بدرجات الحرارة والرطوبة، إضافة إلى تدريب الكوادر المتخصصة.
من المسارح التاريخية إلى البرامج الثقافية الجديدة
ولا تقتصر هذه العودة على المدن الكبرى.
في أعزاز، أعيد افتتاح المركز الثقافي في أبريل، مع برنامج شمل الشعر والحوارات العامة والمعارض الفنية. وفي سبتمبر، استضاف معرض «تفاصيل» الذي جمع الرسم والبورتريه والخط العربي لفنانين محليين.
ويضم المركز أيضاً مكتبة تحتوي على أكثر من 30 ألف كتاب ومجلد.
أما في تل كلخ، فأعيد افتتاح المركز الثقافي العربي في فبراير بعد إغلاق استمر نحو عقد، ليعود إلى دوره كمكان للعروض والأفلام والفعاليات الأدبية.
وفي حمص أيضاً، أعيد افتتاح المسرح الأرثوذكسي التاريخي في مارس، بعد أعمال ترميم بدأت عام 2022. ويعود تاريخ المسرح إلى عام 1890، ويُعتبر من أقدم المسارح في سوريا. ومنذ إعادة افتتاحه، استضاف محاضرات وحفلات موسيقية ولقاءات ثقافية عامة.
التراث والفن ومدينة تستعيد نبضها
ومن أبرز الأمثلة على هذا التحول قلعة دمشق.
فقد شهد المجمع التاريخي الأيوبي ترميم عدد من مساحاته، من بينها البرج الثامن وبيت التراث السوري، الذي أصبح مساحة ثقافية متعددة الاستخدامات تقدم للزوار جوانب من التراث السوري المادي وغير المادي من خلال المعارض والحرف التقليدية والأنشطة الثقافية.
وفي أغسطس، استضافت القلعة مهرجان صيف سوريا العائلي، الذي جمع بين الحفلات الموسيقية ومسرح الدمى والرقص، إلى جانب معرض ضم 23 قطعة أثرية سورية عادت من فرنسا بعد نحو 15 عاماً.
في النهاية، تتجاوز هذه المشاريع فكرة ترميم المباني وحدها.
إنها إعادة فتح لأماكن صُممت أساساً لتجمع الناس — لمشاهدة الفن، والاستماع إلى الموسيقى، وحضور المسرح، واكتشاف التاريخ، والاقتراب من التقاليد الثقافية.
وفي بلد بقيت فيه مساحات ثقافية كثيرة مغلقة أو متضررة لسنوات، قد تكون عودة الجمهور إلى هذه الأماكن بحد ذاتها جزءاً مهماً من عملية استعادة الحياة الثقافية.
المشهد الثقافي السوري يفتح أبوابه من جديد، مساحة تلو الأخرى.
