دبي، الإمارات العربية المتحدة — حتى 10 نوفمبر 2026
في غاليري ليلى هيلر في دبي، يدعو الفنان الهندي المعاصر مانيش ناي الجمهور إلى إعادة النظر في المواد التي تحيط بنا، وفي الإمكانات الفنية الكامنة داخل أبسط الأشياء. فمن خلال معرضه الفردي «البحث عمّا في قلب المادة»، الذي يجمع أعمالاً أنجزها بين عامَي 2021 و2026، تتحوّل المواد المهملة والأسطح الصناعية والأشياء اليومية المألوفة إلى نقطة انطلاق لاستكشاف العلاقة بين الشكل والذاكرة والتحوّل.
وُلد ناي في ولاية غوجارات الهندية عام 1980، ويقيم ويعمل في مومباي، حيث طوّر لغة فنية خاصة تقوم على التعامل مع مواد متواضعة وبسيطة. فالخيش والصحف والملابس المستعملة والكرتون والمعادن المموجة والألمنيوم والشبكات المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، كلها عناصر تتكرّر في أعماله، محتفظة بآثار وظائفها السابقة، حتى وهي تكتسب هويات جديدة. لا يتعامل ناي مع هذه المواد بوصفها عناصر محايدة، بل باعتبارها حوامل لتاريخ خاص، ولبنية وملمس وإمكانات لم تُكتشف بعد.
بدأت علاقته بالمواد قبل دخوله عالم الفن بوقت طويل. فقد نشأ في عائلة تعمل في تجارة المنسوجات، وكان يرى منذ طفولته أقمشة الخيش التي تُستخدم لتغليف البضائع وحمايتها. وفي مومباي، صادف هذه المادة أيضاً على واجهات المباني قيد الإنشاء، حيث كانت تُستخدم لتغطيتها. وقد جمعت هذه التجارب المبكرة بين الذاكرة الشخصية والمشهد الحضري المتغيّر، لتقود تدريجياً إلى إدخال الخيش في أعماله، أولاً ضمن اللوحات، ثم في منحوتاته.
ومن المنسوجات، اتّسع اهتمام ناي ليشمل عالماً أوسع من المواد العادية التي غالباً ما نتجاهلها أو نعيد استخدامها أو نتخلّص منها. بدأ يتساءل عمّا يمكن أن تصبح عليه هذه المواد حين نعيد النظر في وظائفها الأصلية. ومن خلال القصّ والطيّ والضغط والتراكم والتكرار، يحوّل الأسطح المألوفة إلى تكوينات دقيقة ومعقّدة تتأرجح بين الرسم والنحت. تتغيّر المادة، لكن حياتها السابقة لا تختفي تماماً.
تشكّل هذه العلاقة بين الحفاظ على الذاكرة وإعادة ابتكار الشكل جوهر معرض «البحث عمّا في قلب المادة». إذ يضم أعمالاً مصنوعة من الألمنيوم المموج، وألمنيوم مطلي ومثبّت على شبكات من الفولاذ المقاوم للصدأ، إلى جانب المعادن المستعملة والمتآكلة، والملابس القديمة، والشبكات البلاستيكية وخشب الساج، فضلاً عن مجموعة من الألوان المائية على الورق. وتتيح كل مادة إمكانات مختلفة، يختبر ناي من خلالها العلاقة بين السطح والملمس والحجم والبنية.
في أعمال الألمنيوم، تتحوّل الأسطح الصناعية والأنماط المتكررة إلى تكوينات تحتل مساحة وسطى بين البعدين والثلاثة أبعاد. وعندما تُثبّت القطع المعدنية المطلية على شبكات الفولاذ المقاوم للصدأ، تكتسب حضوراً بصرياً جديداً يدفع المشاهد إلى تجاوز هويتها الصناعية المألوفة. وفي أعمال أخرى، تحتفظ الصفائح المعدنية القديمة والمتآكلة بعلامات الزمن وآثار الاستعمال، فتتحوّل هذه الندوب إلى جزء من التكوين الفني بدلاً من إخفائها.
وتتواصل هذه التجربة في أعمال تستخدم الملابس المستعملة وخشب الساج والشبكات البلاستيكية المطلية بالأكريليك. فالمواد المرتبطة بالحياة المنزلية أو البناء أو الاستعمال اليومي يُعاد تنظيمها ضمن أشكال تتحدّى الحدود التقليدية بين الشيء الوظيفي والعمل الفني. وإلى جانب هذه الأعمال، تقدّم الألوان المائية على الورق بُعداً أكثر انسيابية وتصويرية، في حوار مع الكثافة المادية للمنحوتات وخفّة السطح المرسوم.
تنطلق عملية ناي الفنية من الملاحظة والتجريب. فهو لا يبدأ عادةً بصورة محدّدة يسعى إلى تنفيذها، بل يترك للمادة أن تقوده نحو احتمالاتها. وتصبح مقاومتها وقيودها وخصائصها البنيوية جزءاً من عملية الإبداع نفسها. أما التكرار، الذي يتطلّب في كثير من الأحيان جهداً ووقتاً، فيمنحه فرصة لاكتشاف إمكانات قد لا تظهر من النظرة الأولى. لذلك، لا تقتصر أعماله على إعادة تدوير المواد، بل تتجاوزها إلى البحث في قدرة المادة على إنتاج معانٍ جديدة من خلال التحوّل.
وترتبط هذه المقاربة أيضاً بالمدينة التي شكّلت رؤيته الفنية. فمومباي، بكثافتها العمرانية ومواقع البناء والأسطح المتغيّرة والتدفّق المستمر للمواد، أثّرت في طريقة ملاحظته للعالم وصناعة أعماله. لا يسعى ناي إلى تصوير المدينة بصورة حرفية، بل يستوعب شذرات من بيئتها ضمن لغة تجريدية تصبح فيها عناصر التراكم والتكرار والملمس محورية.
على امتداد مسيرته، رسّخ ناي حضوراً دولياً من خلال مشاركته في معارض لدى مؤسسات فنية بارزة، منها مؤسسة ديفي للفنون ومتحف بهاو داجي لاد في الهند، وبارا سايت في هونغ كونغ، ومتحف الفن الحديث في وارسو، ومركز الفنون المعاصرة في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، ومتحف هيت نوردبرابانتس في هولندا، ومتحف سمارت للفنون في شيكاغو. كما شارك في بينالي كوتشي-موزيريس عامَي 2014 و2018، وبينالي شنغهاي عام 2012. ونال جائزة مؤسسة بولوك-كراسنر للفترة 2004–2005، ومنحة الفنون البصرية من الجمعية الملكية لما وراء البحار عام 2014.
ومن خلال تقديم هذا المعرض في دبي، تصل هذه التجربة الفنية الممتدة إلى المشهد الثقافي الإقليمي، فاتحةً المجال أمام الجمهور لاكتشاف ممارسة تتمحور حول العلاقة بين المادة والذاكرة والحياة اليومية. لا يدعو المعرض المشاهد إلى الابتعاد عن الأشياء العادية بحثاً عن الاستثنائي، بل يحثّه على التمعّن فيها عن قرب.
في نهاية المطاف، تنطلق أعمال ناي من سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل أبعاداً واسعة: إلى أي حدّ يمكن للمادة أن تتغيّر من دون أن تفقد كل ما كانت عليه؟ فمن خلال عمليات دقيقة ومتأنّية، يكشف الفنان أن التحوّل لا يتطلّب دائماً محو الماضي؛ ففي بعض الأحيان، يكون تاريخ المادة هو ما يمنحها القدرة على أن تصبح شيئاً آخر.
