تشارك

أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة — من 17 أكتوبر 2026 إلى 17 يناير 2027

هناك فنانون يرسمون ما تراه أعينهم، وآخرون يرسمون ما تحمله أرواحهم. أمّا بول غيراغوسيان، فقد جعل من الفن لغةً للتجربة الإنسانية، ووسيلة للتعبير عن الانتماء والغياب والصمود والقوة الهادئة التي تنبع من اجتماع البشر حول بعضهم البعض.

هذا الخريف، تحتفي أبوظبي بمرور مئة عام على ولادة أحد أبرز روّاد الفن العربي الحديث، من خلال معرض «بول غيراغوسيان: 100 عام من الفن» في مؤسسة بسّام فريحة للفنون بجزيرة السعديات. ويجمع المعرض أعمالًا بارزة من مجموعة الفنان الخاصة، إلى جانب صور أرشيفية ووثائق شخصية ومواد نادرة، ليقدّم نظرة أقرب إلى الإنسان الذي يقف خلف اللوحات.

وُلد غيراغوسيان عام 1926 في عائلة أرمنية، وشهدت سنواته الأولى تجربة النزوح والهجرة. ففي عام 1948، انتقلت عائلته من يافا إلى لبنان، لتصبح أسئلة الهوية والوطن والانتماء خيطًا متكررًا في مسيرته الفنية.

لكن أعماله ليست مجرد توثيق للألم؛ إنها احتفاء بالروابط الإنسانية. فشخصياته الطويلة، وطبقاته اللونية المتراكمة، ومجموعاته المتقاربة تبدو وكأنها تتحرك كوحدة واحدة؛ أجساد تتكئ على بعضها، وتتشارك المساحة والثقل، وتجد في القرب مصدرًا للقوة. قد تبدو الوجوه مختزلة، لكن المشاعر تبقى واضحة: حنان في التقارب، وصلابة في التكرار، وإيمان بأن الإنسان يستطيع التمسك بالآخرين حتى في أوقات الغموض والاضطراب.

يرسم المعرض مسار تطوّر غيراغوسيان الفني، من سنواته الأولى وصولًا إلى الاعتراف الدولي الذي حققه على امتداد عقود من العمل. كما يسلّط الضوء على عالمه الشخصي، وعلى أثر ثلاث نساء محوريّات في حياته: والدته راحيل، وزوجته جولييت، وابنته مانويلّا.

وللجمهور اللبناني، يحمل هذا المعرض معنى خاصًا. فحكاية غيراغوسيان متجذّرة في تاريخ لبنان الثقافي، فيما تتجاوز لوحاته حدود المكان لتلامس تجارب مألوفة في المنطقة: الهجرة، والبحث عن الوطن، وتماسك العائلة، واستمرار الذاكرة. ويذكّرنا فنه بأن الهوية ليست مكانًا واحدًا أو حكاية مكتملة، بل تتشكّل مما نتركه خلفنا، ومما نواصل حمله معنا.

وفي إطار تحية فنية أوسع للبنان، يدعو معرض «100 عام من الفن» الزائر إلى اكتشاف غيراغوسيان لا بوصفه أحد وجوه الحداثة الفنية فحسب، بل كفنان ما زالت لغته العاطفية قادرة على التعبير عن أسئلة عصرنا.

في جزيرة السعديات، حيث تتوسّع المشهدية الثقافية لأبوظبي، يمنحنا هذا الاستعادي فرصة للتأمّل أمام تجربة تجمع بين خصوصية الحكاية وكونية المشاعر. وبعد مئة عام على ولادته، لا يزال فن غيراغوسيان يطرح سؤالًا بسيطًا وعميقًا: ماذا يعني أن ننتمي؟ وكيف نحافظ على هذا الشعور حيًّا في داخلنا؟

المعرض: بول غيراغوسيان: 100 عام من الفن
المكان: مؤسسة بسّام فريحة للفنون، المنطقة الثقافية في السعديات، أبوظبي
التاريخ: 17 أكتوبر 2026 – 17 يناير 2027