دبي، الإمارات العربية المتحدة | 16 سبتمبر – 4 نوفمبر 2026
ماذا يحدث عندما يدخل مخلوق أسطوري إلى أحد الصفوف الدراسية؟
هذا الخريف، يجد الأطفال في مختلف أنحاء الإمارات إجابة تبدأ من الخيال.
ففي 80 مدرسة موزعة على الإمارات السبع، يصبح مخلوق غامض وضخم، لطالما ارتبط بالحكايات والأساطير، بطلاً لمشروع فني وتعليمي جديد. ويأتي «مشروع بيغ فوت» في صميم النسخة السادسة من برنامج الأطفال من «أ.ر.م. القابضة»، ويدعو الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً إلى تخيّل وصول بيغ فوت إلى عالم غير مألوف، ثم ابتكار مكان يشعر فيه بالأمان والراحة وكأنه في موطنه.
قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى لعبة من الخيال، لكنها تخفي وراءها سؤالاً أكبر: كيف يمكن للأطفال أن يتعلموا فهم عالم يتغير بسرعة؟
ابتكر المشروع الفنان الليتواني توماس داوكشا، الذي يستخدم الفن نقطة انطلاق لاستكشاف التعاطف، وتقبّل وجهات النظر المختلفة، وحل المشكلات. وبدلاً من مطالبة الأطفال بإعادة إنتاج عمل فني أو اتباع طريقة محددة، تمنحهم الورشة شخصية وموقفاً ومساحة مفتوحة ليقرروا بأنفسهم ما الذي سيحدث بعد ذلك.
بيغ فوت يصبح مسافراً.
والأطفال يصبحون مرشديه.
التعلّم من خلال الخيال
في قلب المشروع فكرة بسيطة: تخيّل الحياة من منظور مختلف.
يُطلب من الأطفال التفكير فيما قد يواجهه بيغ فوت عند وصوله إلى بيئة غير مألوفة، وما نوع المكان الذي يحتاج إليه كي يشعر بالأمان. ثم يحوّلون هذه الأفكار إلى عوالم وبيئات مصغّرة من تصميمهم.
وتدفعهم العملية إلى تجاوز الإجابة الأولى وطرح أسئلة أوسع: ماذا يحتاج كائن مختلف عني؟ ما الذي يجعل مكاناً ما يبدو وكأنه منزل؟ وكيف يمكن لمساحة أن تستجيب لوجهة نظر مختلفة تماماً؟
ومن خلال التصميم والتجربة والخيال، تتحول مفاهيم مثل التعاطف والتفكير النقدي وحل المشكلات من دروس نظرية إلى تجارب يعيشها الأطفال بأنفسهم.
وهو نهج يبدو لافتاً بشكل خاص في وقت تتغير فيه طبيعة الصفوف الدراسية نفسها.
عندما تعيد التكنولوجيا تشكيل الصف الدراسي
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً متزايد الحضور في التعليم، إذ يغيّر طريقة الوصول إلى المعلومات، وتطوير الأفكار، والإبداع.
ومع تولي التكنولوجيا المزيد من المهام، يتزايد الاهتمام أيضاً بقدرات تبقى مرتبطة بشكل وثيق بالإنسان: الإبداع، والفضول، والقدرة على التكيف، والتفكير النقدي، وحسن التقدير.
ومنذ إطلاقه عام 2021 بالشراكة مع «آرت دبي»، وضع برنامج الأطفال من «أ.ر.م. القابضة» هذه الأفكار في صميم تجربته. فبدلاً من التعامل مع تعليم الفنون كنشاط منفصل عن التعلم، يستكشف البرنامج كيف يمكن للممارسة الفنية أن تصبح وسيلة للتفكير.
وعلى مدى ست نسخ، تطور البرنامج من ورش عمل أقيمت خلال «آرت دبي» إلى مبادرة مدرسية تمتد في مختلف أنحاء الدولة. وقد شارك فيها أكثر من 35 ألف طفل منذ انطلاقها، فيما توسعت لتشمل ورش عمل مكيّفة لأصحاب الهمم، إلى جانب فرص تعليمية مخصصة للمعلمين.
هذا العام، سيشارك المعلمون في مختلف أنحاء الإمارات أيضاً في ورش عمل عبر الإنترنت، تهدف إلى تزويدهم بأساليب عملية لتشجيع الإبداع داخل الصفوف الدراسية.
من المعرض الفني إلى الصف الدراسي
يمثل انتقال البرنامج من أجواء المعرض الفني إلى الصف الدراسي خطوة لافتة.
فالمعارض الفنية غالباً ما تكون مساحات للفنانين والصالات الفنية وهواة جمع الأعمال. أما برنامج الأطفال من «أ.ر.م. القابضة»، فيأخذ جزءاً من هذه الطاقة الإبداعية إلى خارج المعرض، ويضعها مباشرة داخل المدارس، حيث يلتقي الأطفال بالفن ليس فقط باعتباره شيئاً يُشاهد، بل شيئاً يمكنهم التساؤل حوله وصناعته واختباره.
وفي كل عام، يُدعى فنان أو مصمم محلي أو دولي إلى ابتكار ورشة عمل مخصصة للأطفال في الإمارات. والنتيجة ليست درساً فنياً تقليدياً بقدر ما هي فرصة للتعرف إلى طريقة الفنان في التفكير.
وتنسجم ممارسة داوكشا الفنية بشكل خاص مع هذا النهج، إذ تتحرك أعماله بين الفن والعلم، والواقع والخيال، وتستخدم الأفكار المرحة للوصول إلى أسئلة أكثر تعقيداً.
أما بيغ فوت، فيقدم نقطة انطلاق مألوفة بما يكفي لجذب خيال الأطفال، وفي الوقت نفسه يترك لهم مساحة مفتوحة ليأخذهم خيالهم إلى أماكن غير متوقعة.
موطن صغير... وسؤال أكبر
ثمة شيء لافت في أن يُطلب من الأطفال بناء منزل لمخلوق لا وجود له في الواقع.
فالتمرين يدعوهم إلى تخيّل المجهول قبل الحكم عليه، وإلى التفكير في احتياجات شخص — أو كائن — يرى العالم بطريقة مختلفة.
فالطفل الذي يصمم موطناً لبيغ فوت يُطلب منه، بطريقة بسيطة، التفكير في أسئلة تتجاوز حدود الورشة: ما الذي يجعل مكاناً ما يبدو وكأنه منزل؟ كيف نفهم شيئاً مختلفاً عنا؟ وماذا يحدث عندما ننظر إلى بيئة مألوفة من منظور آخر؟
كما يرتبط المشروع باهتمام البرنامج المتزايد بالبيئة، والقضايا البيئية، والسياق المحلي، بما يشجع الأطفال على التفكير في العلاقة بين الكائنات الحية والأماكن التي تعيش فيها.
مستقبل إبداعي يبدأ بالخيال
يستمر «مشروع بيغ فوت» حتى 4 نوفمبر 2026، ليصل إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً في 80 مدرسة موزعة على الإمارات السبع.
ويمكن للمدارس التسجيل عبر «آرت دبي» حتى 25 سبتمبر 2026، مع توفر عدد محدود من الأماكن.
وفي النهاية، قد لا تكون الفكرة الأكثر إثارة للاهتمام في المشروع مرتبطة ببيغ فوت نفسه.
إنها تتعلق بمنح الأطفال مساحة لكي يتساءلوا قبل أن يعرفوا، ويتخيلوا قبل أن يجدوا الحل، وينظروا إلى العالم من منظور يتجاوز تجربتهم الشخصية.
وفي عصر يعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل الطريقة التي نتعلم ونبدع ونتواصل بها، ربما يكون هذا تحديداً هو الشيء المهم الذي لا يزال بإمكان الفن أن يعلّمه.
