في مدينة الصويرة الساحلية، تخرج الفنون المعاصرة من فضائها التقليدي وتدخل إلى صالة ملاكمة نشطة. تقدّم الفنانة المغربية مريم بنّاني عملها Life on the CAPS Trilogy ليس كمعرض عادي، بل كتجربة حيّة تتقاطع فيها الأجساد، الصور، والمكان.
العمل مُثبّت داخل صالة ملاكمة لا تزال تستضيف تدريبات يومية. أصوات اللكم، الحركة، والتنفس تصبح جزءاً من التجربة البصرية. هنا لا يطلب الفن الصمت أو المسافة، بل يشارك المكان ويصطدم به ويتفاعل معه.
تدور ثلاثية CAPS حول جزيرة خيالية يُنفى إليها مهاجرون تم توقيفهم بسبب “الانتقال غير الشرعي”. من خلال شخصيات كرتونية، لقطات شبه وثائقية، وأساليب مستوحاة من ثقافة الإنترنت، تبني بنّاني عالماً سريالياً يعكس قضايا واقعية: الهجرة، الحدود، المراقبة، والهوية الهجينة.
ورغم أن CAPS مكان متخيّل، إلا أن الإحساس به يبدو مألوفاً جداً. فقد تم تصوير بعض المشاهد في الصويرة نفسها، المدينة التي تحمل تاريخاً طويلاً من الحركة والتبادل والهجرة. هذا التداخل بين الجغرافيا الحقيقية والعالم الخيالي يذيب الحدود بين الواقع والخيال.
قوة هذا العمل تكمن في رفضه للتفسير المباشر. لا تقدّم بنّاني رسالة جاهزة أو خطاباً أخلاقياً. بل تترك المعنى مفتوحاً، يتشكّل عبر تفاعل كل مشاهد مع العمل حسب تجربته وذاكرته وثقافته.
كما أن اختيار صالة ملاكمة بدلاً من متحف هو موقف بحد ذاته. الجمهور لا يقتصر على النخبة الثقافية. الرياضيون، سكان الحي، والزوار جميعهم يشاهدون العمل في نفس الفضاء، دون تسلسل هرمي أو وساطة مؤسساتية.
في Life on the CAPS Trilogy، لا يكون الفن شيئاً ثابتاً، بل حالة. احتكاك. مساحة سياسية حسّاسة حيث لا يهرب الخيال من الواقع، بل يحتك به باستمرار. هكذا تقدّم مريم بنّاني نموذجاً للفن المعاصر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: فن قائم على الحضور، لا التمثيل فقط، وعلى التجربة المشتركة لا المشاهدة البعيدة.
