في صالات متحف اللوفر أبوظبي الهادئة، تنفتح صفحة جديدة في تاريخ الفن الحديث. يحمل معرض بيكاسو، الشكل، الذي يقام في الفترة من 21 يناير إلى 31 مايو 2026، رؤية فريدة لحياة فنان طالما تحدّى أشكال التمثيل التقليدية، ويكشف كيف ظلّ ارتباطه بالجسد البشري حاضرًا حتى في أكثر أعماله تجريدًا.
يضمُّ المعرض مجموعة واسعة من أعمال بيكاسو تمتد على مدى سبعين عامًا من الإبداع، لكنه لا يرتبها حسب التسلسل الزمني التقليدي، بل عبر سلسلة من الإيماءات الموضوعية التي شكلت رؤيته للجسد: من أشكالها الصلبة والبسيطة في بداياته، إلى التحليلات والتشظّيات في مرحلة التكعيبية، وصولاً إلى التجارب المستوحاة من السريالية وأعماله المتأخرة المشتعلة بالحركة واللون.
الفكرة الأساسية التي يطرحها المعرض هي أنّ بيكاسو، حتى عندما بدا وكأنه يُفكك الشكل نفسه، ظلّ دائمًا فنانًا يبتغي أن يفهم الإنسان، وجوده، وجوده الجسدي والنفسي، في صور متعددة.
يستمد المعرض قوته من ربط أعمال الفنان بالتيارات الثقافية التي شكّلت مساره: من التأثر بالفن الأفريقي والرومانسكي الكاتالوني والنحت الإيبيري، إلى رحلاته إلى إيطاليا حيث واجه الفن الكلاسيكي في حالته المادية الحية — تجربة أثّرت في عودته إلى الكلاسيكية بعد الحرب العالمية الأولى.
أحد أبرز جوانب المعرض هو الحوار مع العالم العربي. يظهر ذلك بوضوح في ربط غيرنيكا — لوحة بيكاسو الضخمة المستوحاة من الحرب — بأعمال الفنان العراقي ضيا العزاوي، التي تلتقط لغة مماثلة للتفكك والحنين، وتحوّل الألم الفردي إلى تجربة جماعية. هذا الحوار يعمّق فهمنا للعنف، والذاكرة، والإنسانية في سياق عالمي.
يلعب الأسطورة والتحول أيضًا دورًا مهمًا في العرض. يظهر المينوتور، المخلوق نصفه إنسان ونصفه ثور، كصورة متكررة في أعمال بيكاسو تعبر عن التعقيد النفسي والثنائية. في الأقسام اللاحقة من المعرض، يتجلّى هذا الزخم الأسطوري في أعماله المتأخرة ذات الألوان الجريئة والرؤى المزدوجة، حيث تتلاقى الحيوية مع التأمل.
أكثر من مجرد استرجاع لأعمال الماضي، يقدم معرض بيكاسو، الشكل فرصة نادرة للتعرّف إلى عمق نظرة الفنان الجسدية والوجودية، وكيف أن سعيه لفهم الجسد البشري ظلّ موضوعًا مركزيًا طوال مسيرته.
المعرض متاح للزيارة حتى نهاية مايو في متحف اللوفر أبوظبي، حيث يدعو الزائرين إلى إعادة التأمل في الجسد والهوية والتاريخ — ليس فقط في الفن، ولكن في ذواتنا أيضًا.
