ماذا يعني أن نواصل الإبداع حين يصبح الفقد جزءًا من الحياة اليومية؟ بالنسبة للمؤلف الموسيقي اللبناني أسامة الرحباني، لم يكن العام الماضي مجرد محطة فنية، بل تجربة إنسانية كثيفة، تداخل فيها الحزن مع الذاكرة، وتحول فيها العمل الفني إلى فعل التزام أخلاقي.
خلال إنجازه للأوراتوريو «أسافر وحدي ملكًا»، المؤلَّف احتفاءً بمئوية والده منصور الرحباني، وجد أسامة نفسه أمام خسارات عائلية متتالية، طالت أسماء شكّلت ركائز في تاريخ الموسيقى اللبنانية. عندها، لم يعد العمل مجرد تكريم، بل أصبح فعل استمرار — استمرار لفكرة، ولمسار، ولرؤية ترى في الفن واجبًا لا خيارًا.
في تجربة الرحابنة، لم يكن الفن يومًا هروبًا من الواقع، بل مواجهة له. وسط الحروب، والانقسامات، والمرض، والفقد، استمرت المسرحيات، كُتبت القصائد، وغنّت الأصوات. لم يكن ذلك تحديًا للمأساة، بل اعترافًا بها، وتحويلًا لها إلى لغة.
يحمل «أسافر وحدي ملكًا» هذا العمق. النصوص الشعرية المختارة لا تستحضر الماضي كذكرى ساكنة، بل تعيد طرح أسئلة الهوية، والسيادة، والمنفى، والانتماء. الشخصية المحورية غير محددة — قد تكون إنسانًا، أو امرأة، أو مدينة — وكأن العمل يرفض تقديم إجابة واحدة، مفضّلًا أن يترك المساحة مفتوحة للتأمل.
بيروت تحضر في العمل ككيان حي، لا كمكان فقط. مدينة شاهدة، مجروحة، ومتعددة الوجوه. من خلال الموسيقى والشعر، تصبح المدينة مرآة لتجربة الإنسان العربي الذي يعيش داخل التاريخ، لا على هامشه.
بالنسبة لأسامة الرحباني، لم يكن الاستمرار في تقديم العمل رغم الحزن نوعًا من القسوة، بل تعبيرًا عن أخلاقيات الفن كما تربّى عليها. هنا، لا يتوقف الفن عند الفقد، بل يزداد وضوحًا بسببه. يصبح الأداء شهادة، ويصبح الخلق فعل وفاء.
إرث الرحابنة ليس محفوظًا في الأرشيف فقط، بل متحرّك، متجدد، حي. ومن خلال هذا العمل، يؤكد أسامة الرحباني حقيقة راسخة في التجربة الثقافية العربية: أن الفن لا ينجو لأن الألم ينتهي، بل لأنه يصرّ على الاستمرار رغم كل شيء.
