تشارك

في جبال شمال العراق، حيث يلتقي التاريخ بالأمل بهدوء، تقع قرية كردية صغيرة تُدعى سارتانج — مكان يحمل في طياته قصة ألم عميقة وتحول ملهم.

كانت سارتانج في الماضي قرية زراعية مترابطة، يعيش أهلها على الزراعة وتربية المواشي، وتتشكل حياتهم من العادات، والروابط الاجتماعية، وإيقاع الأرض. كان الأطفال يكبرون بين البساتين ومسارات الجبال، وكانت الأمهات يطبخن من حصاد اليوم في بيوت دافئة مليئة بالأصوات المألوفة. كانت الحياة بسيطة، لكنها غنية بالمعنى.

لكن هذا السلام لم يدم. تعرضت سارتانج لهجمات متكررة عبر السنين، مما أجبر العائلات على النزوح، ودمر المنازل، وأفرغ القرية في نهاية المطاف من سكانها. لم يفقد الناس بيوتهم فقط، بل فقدوا أجزاءً من ذاكرتهم، وهويتهم، وإحساسهم بالانتماء. كانت الأمهات يهمسن بالدعاء وهن يرحلن، ويحمل الأطفال فتات الوطن في قلوبهم وهم يغادرون.

ومع ذلك… لم تختفِ سارتانج.

اليوم، تحولت الأرض التي شهدت الخوف والنزوح إلى مساحة للتعليم والنمو والتجدد. جامعات ومؤسسات تعليمية قامت قرب القرية، تحمل معها الشباب، والأفكار، والفرص إلى مكان كان يُعرف سابقًا بالصمود فقط. حيث كان الرعاة يمرون، يسير اليوم الطلاب، وحيث كانت الحقول مصدر العيش، أصبحت المعرفة مصدر الأمل.

ولا يقتصر التحول على التعليم فقط، بل يظهر أيضًا في الحياة الثقافية والاقتصادية. مهرجانات الطعام الكردي، والحرف اليدوية، والمنتجات المحلية تعيد جمع الناس من جديد. النساء يطبخن الأكلات التقليدية ليس فقط تذكّرًا للماضي، بل حفاظًا على الهوية للمستقبل. المزارع، والمتاجر، والأسواق تعكس شكلًا جديدًا من الازدهار المرتبط بالجذور.

سارتانج اليوم ليست مجرد مثال على التطور، بل هي قصة شفاء.

قصة مكان حمل الألم واختار أن ينمو. مكان فقد جدرانه لكنه لم يفقد روحه. مكان يثبت أن الهوية لا تُدمَّر حين تُدمَّر البيوت، بل تعيش في الناس، في القصص، في الطعام، في اللغة، وفي الذاكرة.

سارتانج لم تعد فقط مكانًا جغرافيًا… بل أصبحت معنى.

ليست فقط حيث جاء الناس منها، بل ما يحملونه معهم أينما ذهبوا.