تشارك

في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، يتحوّل البيت من مساحة مألوفة إلى فضاء للتأمل وإعادة التفكير في الذاكرة والهوية. في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، يقدّم معرض أصداء المألوف قراءة فنية عميقة لمفهوم «البيت» في المجتمع السعودي المعاصر.

يضم المعرض، الذي أشرفت على تنظيمه القيّمة غيداء المقرن، أعمال 28 فناناً وفنانة سعوديين، تعكس تنوعاً في الأجيال والأساليب والتجارب الحياتية. وعلى الرغم من طابعه الحميمي، إلا أن المعرض ينطلق من سياق إقليمي واضح، متصلاً بالتحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية.

لا يقدّم المعرض البيت بوصفه بناءً معمارياً ثابتاً، بل كسلسلة من الفضاءات المفاهيمية التي تحاكي البيت السعودي التقليدي: من البناء، إلى غرفة المعيشة، والمطبخ، وممر الذكريات، وغرفة النوم، وصولاً إلى أهل البيت. وتشكّل هذه المساحات إطاراً لفهم الحياة المنزلية كمكان تتشكّل فيه العلاقات الاجتماعية وتُصاغ فيه الهوية.

في السياق الشرق أوسطي، لطالما مثّل البيت مساحة للخصوصية والضيافة والتواصل بين الأجيال. وفي المجتمع السعودي على وجه الخصوص، لعبت البيوت دوراً محورياً في نقل القيم والعادات، وفي تنظيم الحياة اليومية والعلاقات الأسرية.

تتناول الأعمال الفنية تفاصيل الحياة اليومية: الوجبات المشتركة، الطقوس العائلية، العادات الموروثة، وذكريات الطفولة. وتتحوّل المواد المنزلية والأغراض الاعتيادية إلى أدوات سردية تحمل في طياتها تاريخاً شخصياً وجماعياً، يعكس التغيرات التي طرأت على نمط الحياة في ظل التحديث السريع والتحولات الاجتماعية.

ولا يسعى معرض أصداء المألوف إلى استحضار الماضي بوصفه زمناً مثالياً، بل يقدّم البيت كمساحة متحركة، تتغير بتغيّر الزمن والأجيال. فالذاكرة هنا ليست ثابتة، بل قابلة لإعادة التشكيل، تماماً كما تتغير مفاهيم الخصوصية والانتماء والطموح.

يعكس المعرض توجهاً بارزاً في الفن المعاصر في الشرق الأوسط، حيث يُعاد الاعتبار للتجارب اليومية بوصفها موضوعاً فنياً جديراً بالتأمل. ومن خلال ربط التجارب الفردية بإطار منزلي مشترك، يكشف الفنانون كيف تتقاطع الذكريات الخاصة مع التحولات الاجتماعية الكبرى.

يمتد معرض أصداء المألوف في إثراء من 30 أكتوبر 2025 حتى 26 سبتمبر 2026، مقدّماً نموذجاً رفيعاً للفن السعودي المعاصر، ومؤكداً أن البيت ليس مجرد نقطة بداية، بل مساحة مستمرة لإعادة تعريف الذات والمجتمع.