على الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يلتقي بحر عُمان بالمناظر الطبيعية الوعرة لمدينة كلباء، يتحوّل مبنى صناعي سابق إلى فضاء تأملي ضخم. يقدّم مؤسسة الشارقة للفنون معرض من الأرض والماء، وهو أول معرض رسمي لها في مصنع كلباء للثلج، في محطة ثقافية بارزة على مستوى الإمارة والمنطقة.
يجمع المعرض أعمالاً تركيبية واسعة النطاق لفنانين ومجموعات من مختلف أنحاء العالم، إلا أن جوهره الفكري متجذّر بعمق في سياق الشرق الأوسط. ينطلق المعرض من مفهوم تاناه آير، وهو مصطلح يشير إلى «الوطن» من خلال الجمع بين كلمتي الأرض والماء، في دلالة تنسجم مع تاريخ الخليج القائم على البحر، والهجرة، والتجارة، وتشابك الثقافات.
لا يتعامل المعرض مع الانتماء بوصفه مفهوماً ثابتاً أو مرتبطاً بالحدود الجغرافية، بل يقدّمه كحالة متحوّلة وقابلة للتفكك وإعادة التشكيل. وهو طرح يعكس واقع المنطقة، حيث تشكّلت الدول الحديثة على أنقاض مسارات تاريخية معقّدة، وحيث لا تزال الهوية موضوعاً مفتوحاً للنقاش.
تتطرق العديد من الأعمال إلى الجوانب القاتمة لبناء الدول وما خلّفته التجارب الاستعمارية من إقصاء وعنف. وتكشف هذه الأعمال كيف يمكن للرموز الثقافية — كالموسيقى أو الأعلام أو الطقوس — أن تتحوّل من أدوات للتعبير إلى وسائل للهيمنة. وهي ثيمات تتردد أصداؤها بقوة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.
في المقابل، تحتفي أعمال أخرى بالماء كعنصر رابط، لا فاصل. فتستعرض المعتقدات الساحلية، والاقتصادات البحرية، والروحانيات المرتبطة بالبحر، مؤكدة أن المجتمعات التي تفصلها الحدود السياسية تتقاسم في كثير من الأحيان ذاكرة واحدة. وفي الخليج، يستدعي هذا الإرث علاقات تاريخية امتدت بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وإيران وجنوب آسيا.
يلعب موقع المعرض دوراً محورياً في تعزيز هذه الأفكار. فمصنع كلباء للثلج، الذي كان يوماً منشأة تخدم الصيد والتخزين، يحمل في طياته تاريخ العمل والحياة الساحلية. ويمنح حجمه الهائل الأعمال المعروضة قوة حسية، تجعل التجربة الجمالية مرتبطة بالجسد والمكان والزمن.
لا يسعى معرض من الأرض والماء إلى تقديم رؤية مثالية للانتماء، بل يكشف عن شذرات ودلائل صغيرة تشير إلى ترابطات إنسانية غالباً ما تُطمس تحت ثقل الأيديولوجيا. وبهذا، يضع الشرق الأوسط في قلب النقاش العالمي حول الأرض والماء والهوية، لا على هامشه.
يستمر معرض من الأرض والماء في مصنع كلباء للثلج حتى 31 مايو، مؤكداً مكانة الشارقة كإحدى أبرز منصات الفن المعاصر في المنطقة.
