لطالما احتلت مصر موقعاً مركزياً في المخيلة العالمية، وغالباً ما قُدمت بصرياً من خلال رموزها الكبرى: الأهرامات، المعابد، الصحراء، والتاريخ المتجمد في الزمن. إلا أن جيلاً معاصراً من المصورين المصريين يعيد اليوم صياغة هذه الصورة، مبتعداً عن الاستعراض البصري ومتجهاً نحو التجربة المعيشة، والإنسان، والزمن.
تعمل هذه الممارسات الفوتوغرافية عبر مجالات متعددة، من التصوير الوثائقي والمناظر الطبيعية إلى العمارة والسرد الشخصي. وهي تقدم مصر كفضاء متعدد الطبقات، متغير باستمرار، يتشكل من خلال الناس، والذاكرة، والمساحات اليومية، واللحظات الصامتة التي غالباً ما تغيب عن الصورة النمطية.
البطء وبناء الثقة في التصوير الوثائقي
يربط علي زراعي بين التصوير والزمن بوصفه عنصراً أساسياً في الممارسة الفنية. بعد دراسته للتصوير الوثائقي والصحافة في ألمانيا، بدأ مسيرته كمصور صحفي قبل أن يتجه تدريجياً نحو المشاريع طويلة الأمد التي تتيح تفاعلاً أعمق مع الأشخاص والأماكن.
في مشروعه المستمر الزحف على الغبار، الذي بدأه عام 2015، يوثق زراعي حياة مجتمعات بدوية متنقلة في دلتا مصر. يستمد المشروع اسمه من تعبير يستخدمه البدو لوصف حركتهم الدائمة. هنا، تتحول الحركة إلى استعارة للوعي والهشاشة والمقاومة وعدم اليقين. بُني العمل عبر سنوات من الثقة والعودة المتكررة، مقدماً سرداً إنسانياً بعيداً عن التبسيط أو الرومانسية.
إعادة قراءة المعالم عبر الصمت والضوء
في مقابل الصورة السياحية الصاخبة، يقدم كريم عمر رؤية هادئة للمعالم المصرية المعروفة. صوره للأهرامات والصحراء والمواقع التاريخية تتميز بالفراغ والسكينة، حيث تلعب الإضاءة والجو العام الدور الرئيسي.
لا يتعامل عمر مع هذه المواقع كرموز جامدة، بل كمساحات حية تشكلها طبقات الزمن. الغياب المتعمد للبشر، والاهتمام بالتفاصيل الحسية، يمنح أعماله طابعاً تأملياً يعيد وصل الحاضر بالتراث دون مبالغة أو استعراض.
السرد الشخصي وتمثيل المرأة
في أعمال نجلا سعيد، تصبح الكاميرا أداة للتأمل الذاتي وإعادة مساءلة الأدوار الاجتماعية. تنطلق ممارستها من التجربة الشخصية، مركزة على الأنوثة، والعلاقات، والذاكرة العاطفية. لغتها البصرية هادئة ومضبوطة، تسمح للهشاشة بالظهور دون تصريح مباشر.
في مشروعها أختي، يا أختي، تقدم سعيد قراءة ذاتية لتجربة المرأة في القاهرة، مستخدمة عناصر من الثقافة البصرية الشعبية لإعادة التفكير في مفاهيم الأنوثة المقبولة اجتماعياً. تطرح الأعمال تساؤلات دقيقة حول المعايير التي تشكلها أنظمة أبوية متجذرة، من دون اللجوء إلى الصدمة أو المواجهة المباشرة.
المكان والذاكرة والتقاليد المهددة بالزوال
تنطلق وفاء سمير من خلفيتها المعمارية لتفكيك العلاقة بين الفضاء والمشاعر. في مشروع الموروث، توثق الجداريات الشعبية المرسومة على جدران المنازل، بوصفها وسيلة للتعبير والتواصل الثقافي.
هذه الجداريات، المصنوعة بمواد هشة، تتعرض للاختفاء مع التحولات العمرانية. يوثق المشروع ليس فقط الرسومات، بل أيضاً الحرفيين الذين يقفون خلفها. وفي مشروع اللاشيء، تنتقل سمير إلى استكشاف الفراغ بوصفه حالة شعورية، حيث يصبح الصمت والسكون مساحة للتأمل وإعادة الإسقاط العاطفي.
مصر كتجربة حية ومتغيرة
تكشف هذه الممارسات مجتمعة عن تحول واضح في التصوير المصري المعاصر. فهي لا تسعى إلى إنتاج صورة واحدة أو رواية نهائية، بل تحتفي بالتعدد، والبطء، والذاتية. تظهر مصر هنا كمجموعة من التجارب المتداخلة، تتشكل عبر الحركة، والنوع الاجتماعي، والذاكرة، والمكان، والزمن.
ينتمي هذا الخطاب الفني بوضوح إلى سياقه في الشرق الأوسط، مستجيباً لتاريخه وتحولاته الاجتماعية، وفي الوقت نفسه منفتحاً على نقاشات عالمية حول التمثيل، والأخلاقيات البصرية، ودور الفنان. ومن خلال الملاحظة بدلاً من الاستعراض، يقدم هؤلاء المصورون طرقاً جديدة لرؤية مصر—كما تُعاش، لا كما يُتوقع أن تُرى.
