يشهد المشهد الفني المعاصر في الشرق الأوسط تحولات عميقة، مع بروز مؤسسات ثقافية جديدة، وبيناليات، ومبادرات فنية تعيد تعريف طرق إنتاج الفن وعرضه وفهمه. وفي خضم هذا الحراك المتسارع، رسّخت جائزة إثراء للفنون مكانتها كإحدى أهم المنصات الداعمة للفنانين من العالم العربي، ليس فقط من خلال التكريم، بل عبر دعم الممارسة الفنية على المدى الطويل.
منذ انطلاقها، سعت جائزة إثراء للفنون إلى الاحتفاء بالبحث الفني والعمق الفكري والاستمرارية، بعيداً عن منطق الاتجاهات السريعة. ومع تولي سارة العمران دور المستشارة في مطلع عام 2025، تدخل الجائزة مرحلة جديدة تقوم على التأمل، وإعادة التقييم الاستراتيجي، وتعزيز الذاكرة المؤسسية.
التأمل كمدخل للتطور
بدلاً من التوسع السريع، جاءت المرحلة الأخيرة من تطور الجائزة نتيجة مراجعة معمقة للدورات السبع الأولى. شملت هذه المرحلة حوارات مع محكمين سابقين، وفائزين بالجائزة، وقيمين فنيين، وشركاء مؤسسيين. وكان الهدف فهم الأثر طويل الأمد للجائزة على الممارسات الفنية، والدور الذي لعبته في تشكيل حوارات نقدية داخل المشهد الفني الإقليمي والعالمي.
أبرزت هذه المراجعة أهمية التركيز على العملية الفنية، والبحث، وتراكم المعرفة، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على استمرارية الخبرة المؤسسية وتطويرها.
خبرة مؤسسية في خدمة الفنانين
تستند مقاربة سارة العمران لدورها الاستشاري إلى خبرة طويلة في العمل مع مؤسسات ثقافية تمر بمراحل تأسيس أو تحول. تمتد خلفيتها إلى التخطيط الاستراتيجي، والبرامج التعليمية للفنانين، وبناء المجتمعات الإبداعية. وقد ساهمت أدوارها السابقة في آرت جميل، ومشاركتها في حي جاكس، إضافة إلى مشاركتها في تأسيس مشروع “مغرس” البحثي في الأحساء، في تعميق فهمها لكيفية دعم الفنانين بشكل مستدام.
انعكست هذه الخبرة في تركيز الجائزة المتجدد على البحث الفني، والتجريب، والعلاقة المتينة بين الفكرة والشكل.
موقع متفرد في المشهد الفني الإقليمي
في ظل ازدياد المعارض والبيناليات والمشاريع الفنية الكبرى في المنطقة، تؤدي جائزة إثراء للفنون دوراً مكملاً ومختلفاً. فهي لا تفرض أطرًا قيّمية أو موضوعات محددة، بل تعترف بمسارات الفنانين المستقلة والتزامهم طويل الأمد بممارساتهم.
ويُعد تقديم معرض يضم خمسة فنانين مرشحين في الدورة السابعة تطوراً مهماً، حيث يُفتتح المعرض في ربيع 2026 في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، ليتيح حواراً بصرياً وفكرياً بين أعمال متنوعة دون المساس بخصوصية كل تجربة فنية.
منصة للفنانين من العالم العربي
تتوجه جائزة إثراء للفنون إلى الفنانين من الدول العربية الـ22، بكل ما تحمله من تنوع تاريخي وثقافي. ومن الأهداف بعيدة المدى للجائزة تعزيز العلاقات مع المعارض والمساحات المستقلة والمؤسسات الثقافية في مختلف الدول العربية، بما يتيح فهماً أعمق للخطابات الفنية المتعددة في المنطقة.
بهذا، تسعى الجائزة إلى أن تكون أكثر من مجرد جائزة، بل فضاءً للتلاقي والحوار وتبادل الخبرات.
تأثير محلي وأفق عالمي
على المستوى المحلي، تلعب الجائزة دوراً مهماً في إثراء المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، عبر إتاحة الاطلاع على ممارسات فنية معاصرة من مختلف أنحاء العالم العربي. وفي الوقت نفسه، تحمل الجائزة طموحاً عالمياً من خلال التفكير في تنظيم معارض متنقلة تتيح للأعمال الوصول إلى جمهور أوسع إقليمياً ودولياً.
نحو المستقبل
أظهرت الدورة الحالية مستوى عالياً من الجودة والعمق في الطلبات المقدمة، ما يشير إلى نجاح الصيغة الجديدة للجائزة في التفاعل مع احتياجات الفنانين اليوم. وقد فتح ذلك الباب أمام التفكير في توسيع دور الجائزة ليشمل التوثيق والنشر وبناء المعرفة حول الممارسات الفنية المشاركة.
ومع استمرار تطورها، تمثل جائزة إثراء للفنون نموذجاً لكيفية مساهمة المؤسسات الثقافية في الشرق الأوسط في دعم الفن المعاصر برؤية بعيدة المدى، تسهم في تشكيل مستقبل الفن العربي المعاصر وتعزيز حضوره على الساحة العالمية.
