تتشكّل ممارسة زهرة الغامدي الفنية من حوار عميق مع المادة والزمن والتكرار. فمن خلال أعمال تركيبية ونحتية واسعة النطاق، تتعامل مع المواد بوصفها كيانات حية تحمل في داخلها الذاكرة والكيمياء والسرد. لا تُبنى أعمالها على نحوٍ فوري، بل تنمو ببطء عبر التراكم، حيث تتحول العناصر المفردة إلى كتل مركّبة تنبض بإيقاع داخلي هادئ.
لا يُعد التكرار في أعمال الغامدي فعلاً آلياً أو زخرفياً، بل ممارسة تأملية تعيد تعريف العلاقة مع المادة. فكل وحدة متكررة تحمل أثر اللمس والزمن، ويتحوّل العمل اليدوي إلى ذاكرة متجسدة. وبهذا، تصبح عملية التراكم لغة بصرية تعبّر عن الصبر والعناية وثقل التجربة الإنسانية غير المرئية.
تلعب المادة دوراً محورياً في بناء المعنى داخل أعمالها. فالمواد التي تختارها—كالجلد والطين والخيوط—لا تُستخدم لخصائصها الشكلية فحسب، بل لما تحمله من إمكانات رمزية وكيميائية. ويبرز الجلد كوسيط مشحون بالدلالات، يجمع بين الصلابة والهشاشة، وبين الجسد والرمز. إنه سطح ووعاء في آنٍ واحد، يستحضر مفاهيم الحماية، والتحوّل، والفقد.
يتغيّر تعامل الغامدي مع المادة بحسب السياق المكاني. ففي الأعمال الخارجية، تدخل في حوار مباشر مع العوامل الطبيعية، حيث يُسمح للمواد بالتآكل أو التبدل، ليصبح التحوّل جزءاً من السرد. أما في الفضاءات الداخلية، فتتجه نحو ضبط الإيقاع الداخلي والبنية، حيث يحدث التغيّر بهدوء عبر الكثافة والتكرار والتوتر المكاني.
تتداخل الذاكرة والتاريخ داخل أعمالها دون أن يلغِي أحدهما الآخر. فالذاكرة، بما تحمله من ذاتية وتشظٍ، تتقاطع مع التاريخ غير المكتمل، منتجة أعمالاً تعترف بالفراغات والصمت بقدر ما تحتفي بالحضور. لا تسعى الغامدي إلى التوثيق، بل إلى خلق سرديات معاصرة قائمة على التوتر والتناقض.
ورغم أن التجريد يشكّل الإطار العام لأعمالها، فإن أشكالاً إيحائية تلوح أحياناً—أجساد، ظلال، أو بقايا معمارية—دون أن تستقر في معنى محدد. هذا الالتباس مقصود، إذ تترك الفنانة العمل في منطقة وسطى بين التجريد والتمثيل، حيث تُفتح المساحة أمام تجربة شخصية لكل مشاهد.
ومع اتساع نطاق مشاريعها، تعمّق ارتباطها بالحِرفة. فالتقنيات التقليدية، مثل التطريز والتجميع اليدوي، تُمارس بوصفها أفعالاً واعية تُقاوم السرعة والاستهلاك. تتحول الحِرفة هنا إلى موقف أخلاقي، يعيد الاعتبار للبطء، وللمس، وللاستمرارية. ومن خلال ذلك، تُحوّل زهرة الغامدي المادة إلى فضاء للتأمل، والمرونة، والقوة الصامتة.
