يمثل افتتاح متحف لوح وقلم: متحف م. ف. حسين في الدوحة أكثر من مجرد إضافة ثقافية جديدة؛ إنه تتويج لمسيرة فنية طويلة تشكّلت بين المنفى، والإيمان، والإصرار على حرية التعبير. ففي قلب المدينة التعليمية، وجد الفنان الكبير مقبول فدا حسين موطناً دائماً يليق بإبداعه، بعد أن تجاوزت أعماله الحدود في زمن كانت فيه السياسة تضيق على الفن.
جاء تصميم المتحف مستنداً إلى رسم تخطيطي وضعه حسين بنفسه، ونفّذه المعماري مارتاند خوسلا، ليظهر المبنى وكأنه عمل فني قائم بذاته. تغطيه فسيفساء زرقاء نابضة بالحياة، وتزين واجهته كتابات عربية، فيما يضفي برجه الأبيض طابعاً أسطورياً يذكّر بعوالم الحكايات. هذا البناء لا يحتضن الفن فحسب، بل يتحدث بلغته، مجسداً رؤية حسين التي ترى في الفن حركة دائمة وخيالاً مفتوحاً.
يتوزع المتحف على أربع قاعات تستعرض مراحل تطور حسين الفني، من بداياته كأحد رواد الحداثة في الهند إلى سنواته الأخيرة في قطر. وتكشف اللوحات، والمنسوجات، والأفلام، والمقتنيات الشخصية عن فنان متعدد الوسائط، عميق الحساسية، استخدم الرموز المتكررة—كالخيول، والوجوه الممحوة، والعناصر الدينية—للتعبير عن الذاكرة، والتنقل، والوحدة بين الأديان.
تبرز أهمية السنوات الأخيرة من حياة حسين، حيث تحوّل المنفى إلى مساحة للانطلاق الإبداعي. ففي قطر، وجد حرية استكشاف الحضارة العربية والإسلامية جنباً إلى جنب مع الرموز المسيحية والهندوسية، مؤكداً أن الفن لغة إنسانية جامعة. ويتجسد هذا الطموح في عمله الأخير سيروا في الأرض، وهو تركيب فني ضخم متعدد الوسائط يحتفي بتقدم البشرية عبر البر والبحر والجو، مستخدماً الحركة والصوت والضوء في تجربة غامرة.
في جوهره، يشكل متحف لوح وقلم شهادة حية على رؤية حسين للعالم—رؤية ترفض الانقسام وتحتفي بالتنوع. إنه متحف يدعو إلى التأمل والحوار، ويخلّد إرث فنان لم يرَ في الاختلاف سبباً للصراع، بل فرصة للوحدة والإبداع المشترك.
