تشارك

 

رسّخت أبوظبي مكانتها كوجهة عالمية للثقافة والابتكار، ويبرز ذلك بوضوح في تنامي حضور الفن الرقمي الغامر داخل المنطقة الثقافية في السعديات. هنا، لم يعد الفن مجرد عمل يُشاهد، بل تجربة متكاملة يعيشها الزائر ويتفاعل معها بكل حواسه.

تتحدى هذه الأعمال الفنية المفاهيم التقليدية للمعارض، حيث تتحول الجدران إلى مساحات ضوئية، وتذوب الأرضيات في الضباب، وتتحرك الأصوات بحرية داخل المكان. تتغير التجربة تبعاً لحركة الزوار ووجودهم، مما يجعل كل زيارة فريدة ومختلفة عن سابقتها، وكأن العمل الفني كائن حي يتنفس ويتطور.

تأخذ إحدى هذه التجارب الزوار في رحلة رمزية من العالم المرئي إلى البُنى الخفية التي تقوم عليها الحياة. يبدأ المشهد بمساحات مضيئة تشبه غابة هادئة أو مشهداً طبيعياً مجرداً، ثم ينتقل تدريجياً إلى عوالم أكثر ظلمة وسكوناً. يتسلل الضباب في الهواء، وتخف الأصوات، لتظهر الجذور والظلال والأنظمة غير المرئية التي تدعم الحياة من تحت السطح.

هذه الرحلة ليست جسدية فحسب، بل فكرية أيضاً. فهي تسلط الضوء على العناصر التي غالباً ما يتم تجاهلها، وتدعو للتأمل في مفاهيم التوازن والترابط، وتذكرنا بأن النمو الحقيقي يحدث أحياناً في الخفاء، بعيداً عن الضوء والضجيج.

في المقابل، ترتقي تجربة أخرى بنظرة الزائر نحو الأعلى، لتقدم تأملاً بصرياً في مفهوم الضوء والإدراك. داخل قاعة ذات تصميم دائري، تنتشر نقاط مضيئة تتحرك عبر الجدران والسقف، مكوّنة أنماطاً تشبه النجوم والمجرات أو حقول الطاقة المجردة. يظهر الزوار كظلال داخل هذا المشهد، ليصبحوا جزءاً من التكوين الفني نفسه.

يلعب الصوت دوراً أساسياً في هذه التجربة، حيث تتردد الأصوات بخفة داخل القاعة، وتشكّل الهندسة المعمارية جزءاً من التجربة السمعية. يمنح هذا الفضاء إحساساً باللانهاية، ويدعو إلى التأمل والهدوء والوعي بالذات داخل المكان.

تعكس هذه الأعمال مجتمعة اتجاهاً متنامياً في الفن المعاصر، حيث تصبح التجربة أهم من الشكل، والتفاعل أهم من المشاهدة، والتغيّر أهم من الثبات. يتحول الفن إلى منظومة حيّة تتشكل عبر الزمن والمكان والحضور الإنساني.

ومن خلال احتضان هذا النهج، تواصل أبوظبي ترسيخ دورها كمركز ثقافي رائد، حيث يلتقي الإبداع بالتكنولوجيا لاستكشاف علاقة الإنسان بالطبيعة والكون وذاته.