تشارك

زرتُ مرسم ليلى مريويد في باريس؛ إنه المكان الذي يعيد ترتيب جغرافيتك الداخلية. فنانة سورية تعمل بين الرسم والنحت، تبتكر قطعاً تبدو حميمية وفي الوقت ذاته كونية، كأنها آثار من عصور قديمة تنبض بألم وروعة معاصرتين.

قضيتُ هناك ساعتين، لكن الزيارة شعرت وكأنها حياة قصيرة. أعمالها النحتية مركّبة من معادن مختلفة، تراب، شعر، بريق، كريستالات ومواد غير متوقعة أخرى؛ تلتقط أسطحها الضوء كما لو كانت ذكريات معكوسة. الأشكال التي تصنعها تشبه مخلوقات قديمة، كائنات متعددة الوجوه وذات طبقات عديدة مخيَّطة من تاريخ مخترع وخيال متوازن.  فهي ليست شظايا من الماضي فحسب، إنها منحوتات تتجسد كجروح كونية، كأن قطعة من الكون قد التُقطت، جُرحت، شُفيت، ثم فُتِحت من جديد.

وقفت أمام إبداعاتها وشعرت بالقشعريرة؛ شعور مربك لكنه رقيق للغاية، تسجيل غامض بين الجمال والحدة. لم أستطع تصنيف ذلك الشعور بدقة، كل ما كنت أعرفه هو رغبة لا تقاوم في التأمل بتلك الكائنات.

تحمل منحوتات ليلى إحساس الألم الموروث، كجروح تنتقل عبر الأجيال، جنباً إلى جنب مع خيال عنيد ومضيء. كأن قبح الواقع وجمال الخيال يستطيعان أن يتعاشيا، مظفرين ومقدَّمين بطريقة نادراً ما رأيتها.

لوحات مريويد أيضاً تردّد هذا التأثر، حيث تستخدم ألواناً وإيماءات، تظهر كرفقاء للأعمال النحتية. معاً، تشكل اللوحات والتماثيل لغة تقاوم التفسير السهل. تحكي الأعمال قصصاً تتجاوز الكلمات، روايات تفهمها الروح، حتى لو لم يستطع العقل إدراكها.

ما لفت انتباهي أكثر هو طابعها غير الزمني، حيث تبدو هذه الأشكال غير مرتبطة بعصر أو تاريخ واحد؛ إنها تطرح انفعالات تنتمي إلى سجل إنساني واسع بدل أن تكون لحظة محصورة في تقويم.

ورغم أن الزيارة استغرقت ساعات قليلة، فإن الانطباعات التي تركتها مستمرة، كوديعة عاطفية تبدو وكأنها قد تدوم الدهر.

غادرتُ مرسم ليلى عطشاناً للمزيد، متشوقاً للعودة إلى باريس، للغوص مجدداً في تلك المساحة الرقيقة من الشعور، ولتخيل هذه القطع في معرض أوسع تُشارك فيه قوتها الهادئة والمتحولة جمهوراً أوسع. 

إذا جاءَ وقت في الفن المعاصر يُعطى فيه الصدمة الموروثة والجمال التجريدي وزناً متساوياً، فعمل ليلى سيكون في الانتظار، صبوراً، غامضاً، ومأسوراً بالإثارة.

هناك، شعرت بالقوة الشديدة للفن في أن يناكد ويواسي، أن يؤلم ويشفي، وأن يكون معاصراً وهو يقبض بماضٍ غير محدد؛ هذا هو جوهر أعمال ليلى النحتية.