في عملٍ يلتقي فيه التاريخ بالهوية وبفكرة الإدراك، يبرز الفنان اللبناني Ramzi Mallat على الساحة الفنية في لندن من خلال عمله الجديد Atlas of An Entangled Gaze، المعروض داخل Leighton House Museum، في افتتاح احتفالات المئوية الأولى للمتحف.
داخل القاعة العربية الشهيرة—التي صمّمها الفنان الفيكتوري Frederic Leighton مستلهماً رحلاته إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا—يقدّم ملّاط عملاً معاصراً ينسج طبقة جديدة فوق هذا الفضاء التاريخي الغني. وما إن يدخل الزائر، حتى يجد نفسه أمام مشهد آسر: آلاف “العيون” الخزفية الزرقاء المضيئة، معلّقة كسماء تحوم فوق النافورة في قلب القاعة.
العمل ليس مجرد تركيب بصري، بل تجربة حسّية وفكرية. مستنداً إلى الموروث الشعبي في بلاد الشام ورمز “العين الشريرة”، يحوّل ملّاط القاعة إلى مساحة للتأمل والتساؤل: من يراقب؟ من يُراقَب؟ وكيف تتشكّل نظرتنا ضمن سياقات ثقافية وتاريخية متشابكة؟
يتجلّى الإتقان في تفاصيل العمل، حيث صُنعت هذه العيون عبر بنية خزفية متشابكة تشبه الدروع العثمانية، في إشارة إلى الحماية والقوة. وتتكرّر العناصر ضمن هندسة مستوحاة من الزخرفة الإسلامية، ما يخلق إيقاعاً بصرياً هادئاً، لكنه يحمل في طيّاته توتراً خفياً بين الحماية والانكشاف.
ما يميّز هذا العمل هو الحوار الذي يخلقه داخل المكان نفسه. فبتموضعه بين القاعة العربية وقاعة نارسيسوس المجاورة، يربط العمل بين المعتقدات الشرقية حول العين الشريرة والأساطير الغربية المرتبطة بالنظر إلى الذات. وهكذا ينشأ تداخل غني بين الثقافات، يتجاوز الحدود الزمنية والجغرافية.
يصف ملّاط عمله بأنه “عتبة بين التاريخ والجغرافيا والإرث”، وهذا الإحساس حاضر في كل تفصيلة. فالعيون الزرقاء تعكس الفسيفساء والمياه في القاعة، لتذيب الحدود بين العمل الفني والمكان، وتحوّل التركيب إلى جزء حي من ذاكرة الفضاء.
لكن قوة العمل لا تكمن فقط في جماله، بل في رسالته المعاصرة. ففي زمن تحكمه الرؤية الدائمة—من وسائل التواصل إلى المراقبة المستمرة—يكتسب مفهوم “النظرة” بُعداً جديداً. يذكّرنا ملّاط بأن النظر ليس فعلاً حيادياً، بل يحمل في داخله قوة وتأثيراً.
ضمن برنامج The Arab Hall: Past and Present، يساهم هذا العمل في إعادة قراءة تاريخ القاعة وتعقيداته، من دون أن يفرض إجابات نهائية، بل يفتح باباً لحوار مستمر.
بهذا العمل، يرسّخ رمزي ملّاط مكانته كصوت فني قادر على الربط بين الماضي والحاضر، وتحويل التراث إلى تجربة معاصرة نابضة بالحياة.
