لطالما رُويت قصة الحداثة الفنية من منظور أوروبي بحت، لكن كتاباً جديداً يعيد مصر إلى قلب المشهد الثقافي العالمي في القرن العشرين.
في كتاب «الطليعة المصرية: فنانون وشعراء ومتمردون 1936–1973»، تكشف المؤرخة الفنية فاطن مصطفى كنفاني عن الحركات الفنية الراديكالية التي أعادت تشكيل الهوية الثقافية المصرية، وواجهت الاستعمار والتسلط والأطر الغربية المهيمنة على كتابة تاريخ الفن.
يركّز الكتاب على جماعتين محوريتين: جماعة الفن والحرية التي أسسها عام 1939 المفكر السريالي Georges Henein في القاهرة، وجماعة الفن المعاصر. لم تكن جماعة الفن والحرية مجرد امتداد للسريالية الأوروبية، بل منصة مقاومة فكرية ضد الفاشية، ودعوة إلى حرية التعبير والإبداع.
أما جماعة الفن المعاصر، فقد سعت إلى تطوير لغة تشكيلية مصرية حديثة تنبع من الواقع المحلي والتراث الشعبي، بعيداً عن التصنيفات السطحية الدينية أو القومية.
يتتبع الكتاب التحولات السياسية التي أعقبت ثورة 1952 وصعود الرئيس Gamal Abdel Nasser، حيث شهدت مصر مرحلة بناء وطني طموحة ومشاريع اشتراكية كبرى. وتُعد خمسينيات وستينيات القرن الماضي «العصر الذهبي» للفنون التشكيلية والسينما والعمارة والشعر في مصر.
ويستعيد الكتاب رمزية تمثال «نهضة مصر» للنحات Mahmoud Mokhtar، الذي تحول إلى أيقونة وطنية في مواجهة الاستعمار البريطاني، كما يسلط الضوء على أسماء بارزة مثل الفنانة Amy Nimr والرسام Eric de Némès.
الكتاب لا يعيد فقط قراءة تاريخ الفن المصري، بل يعيد صياغة موقع مصر في الحداثة العالمية، كقوة فكرية مستقلة ومؤثرة.
الطليعة المصرية لم تكن هامشاً في الحداثة — بل كانت أحد محركاتها الأساسية.
