عادةً ما نتصوّر النار ككارثة مفاجئة، صاخبة وسريعة التدمير. لكن في معرض Slow Burn، القيّم عليه دانيال مخّول في Beirut Art Center، تتحوّل النار إلى شيء مختلف تماماً: صامتة، بطيئة، لكنها أكثر فتكاً في استمرارها.
لا يقدّم المعرض أعمالاً فنية مكتملة فحسب، بل يجعل من عملية الخلق نفسها جزءاً من التجربة. فقد انتقل عدد من الفنانين إلى داخل مساحة العرض، ليشاهد الزوار كيف تتشكّل الأعمال، وكيف تتغيّر تحت تأثير الزمن، والمشاعر، والواقع المحيط. هنا، لا يكون الفن ثابتاً، بل هشّاً… تماماً مثل البلد الذي يحتضنه.
يرتبط مفهوم النار في هذا المعرض ارتباطاً وثيقاً بالواقع اللبناني: الانهيار الاقتصادي، انفجار مرفأ بيروت، الحروب، والأزمات السياسية المتواصلة. هذه الكوارث لا تحدث مرة وتنتهي، بل تستمر في الاشتعال تحت السطح. وهذا هو جوهر Slow Burn: حالة دائمة من الاحتراق البطيء.
تظهر النار في الأعمال كطاقة وكفناء في آنٍ واحد. أسطح لامعة تعكس الضوء كالسلاح، سحب دخان تجمّد لحظات من كوارث بيئية، ومناظر طبيعية مغطاة بالرماد بدل الأمل. بعض الأعمال تصرخ في وجه المشاهد، وأخرى تهمس بالحزن من خلال مواد قابلة للزوال.
في الطابق الأرضي، تسود صور العنف والدمار. أما في الطابق العلوي، فتتحوّل التجربة إلى الداخل: البحر، الضوء، الذاكرة، والفقدان. يصبح الجسد مساحة لاحتواء الحزن الجماعي، بينما تنقل الأقمشة والظلال ما تعجز الكلمات عن قوله.
قوة Slow Burn لا تكمن فقط في رسالته السياسية، بل في صدقه العاطفي. لا يبحث عن الصدمة، بل يدعونا إلى التمهّل، إلى الشعور بثقل الزمن، وإلى فهم أن الاستمرار في العيش هو بحد ذاته فعل مقاومة.
في مدينة لا تزال تحترق وتنهض في آن، يذكّرنا Slow Burn بأن بعض النيران لا تنفجر… بل تنتظر.
