تشارك

في عالم يواجه تغيّر المناخ، وندرة المياه، والتوسع العمراني السريع، أصبح الفن المعاصر مساحةً للتأمل في علاقة الإنسان بالطبيعة. ويطرح هذا الفن سؤالًا جوهريًا: ماذا يبقى عندما يُغسل كل شيء؟

في الشرق الأوسط، يتجه عدد متزايد من الفنانين إلى استخدام الأرض والماء والمواد القديمة للتعبير عن الذاكرة والهوية والبقاء. لم تعد الأعمال الفنية مجرّد لوحات على الجدران، بل أصبحت تجارب حيّة تدفع الزائر إلى التفكير في كيفية نشوء الحضارات واندثارها، وفي الأنظمة التي تحافظ على الحياة.

تُستخدم مواد بدائية مثل الطين، والحجر، والماء لأنها تحمل ذاكرة الإنسانية الأولى: أول بيت، وأول نقش، وأول مدينة. العودة إلى هذه العناصر ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لربط الحاضر بجذوره العميقة.

تلعب الأساطير، وخاصة قصص الطوفان، دورًا محوريًا في هذه الأعمال. فهي لا تعبّر فقط عن ماضٍ بعيد، بل تعكس مخاوف الحاضر من الانهيار البيئي، وتؤكد أن الإنسان عاش دائمًا في علاقة هشّة مع الماء. ومع ذلك، تحمل هذه القصص معنى الأمل: فبعد كل دمار، تبدأ حياة جديدة.

تتحوّل الأعمال التركيبية إلى فضاءات تفاعلية: يلمس الزائر الحجر، يسمع صوت المياه، ويسير بين الهياكل. هذا التفاعل الجسدي يذكّرنا بأن الماء ليس موردًا نظريًا، بل شريان حياة مشترك.

كما تكشف هذه الأعمال عن الأنظمة الخفية التي نعيش بفضلها: شبكات التوزيع، الخزانات، والأنابيب. من خلال إظهار ما هو غير مرئي، يوجّه الفن رسالة واضحة: علينا أن نفكر في العدالة، والاستدامة، والمسؤولية.

في النهاية، هذا الفن ليس حنينًا للماضي، بل دعوة لحماية المستقبل. إنه يطالبنا بأن نصون ما يحمينا، ونحترم ما ورثناه، ونختار بعناية الإرث الذي سنتركه للأجيال القادمة.