في المحرّق، حيث لا يزال تاريخ تجارة اللؤلؤ في البحرين حاضراً في البيوت والساحات والأزقة القديمة، يقدّم متحف جديد أحد أهم تقاليد الخليج في إطار معاصر يربط بين التاريخ والتصميم والثقافة.
يقع متحف السيادي للؤلؤ داخل مجلس السيادي التاريخي على مسار اللؤلؤ المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي في البحرين، ويجمع بين العمارة والحِرف اليدوية وقصة اقتصاد اللؤلؤ في مساحة لا تبدو فيها الذاكرة محفوظة خلف الزجاج بقدر ما هي منسوجة داخل المبنى نفسه.
ويشكّل المتحف جزءاً من مسار اللؤلؤ الأوسع، وهو مسار تراثي يمتد في أحياء المحرّق ويوثّق الأشخاص والعمارة والتجارة التي شكّلت حقبة ازدهار الغوص على اللؤلؤ في البحرين.
يعود مجمّع السيادي إلى أوائل القرن التاسع عشر، عندما أصبحت عائلة السيادي من أبرز تجّار اللؤلؤ في البحرين. ولم يكن المجلس مجرد جزء من منزل العائلة، بل كان مساحة يجتمع فيها التجار للتفاوض حول اللؤلؤ القادم من البحر ومن شبكات التجارة التي امتدت وصولاً إلى الهند وأوروبا.
ويحمل المبنى نفسه جانباً من هذه القصة؛ إذ يُعدّ مجلس السيادي المبنى الوحيد المتبقي المؤلف من أربعة طوابق من حقبة اللؤلؤ في البحرين. تعود أقدم أجزائه في الطابق الأرضي إلى نحو عام 1850، فيما أضيفت أجزاء أخرى عام 1921.
واليوم، يحتضن المكان مجموعة من اللآلئ التاريخية والمجوهرات، إلى جانب قطع مرتبطة بتجارة اللؤلؤ الطبيعي في البحرين ومقتنيات من مجموعة متحف البحرين الوطني.
حيث يلتقي التراث بالتصميم المعاصر
لكن ما يجعل المتحف لافتاً بشكل خاص هو الطريقة التي يتعامل بها تصميمه مع الماضي.
أشرف Studio Anne Holtrop على أعمال الترميم والتدخل المعماري، وقد اكتمل المشروع عام 2024. وبدلاً من إنشاء متحف معاصر تقليدي داخل مبنى تاريخي، يضع التصميم العناصر الجديدة بعناية إلى جانب الهياكل الأصلية، بحيث تبقى الطبقات الزمنية المختلفة واضحة في المكان.
تم الحفاظ على العمارة الأصلية المصنوعة من الحجر المرجاني والجص الجيري، بينما تضيف مساحات العرض الجديدة لغة معمارية معاصرة بوضوح. وتخلق الأسطح ذات الملمس، والفتحات المؤطرة بعناية، وتشطيبات الجص غير المنتظمة حواراً بين الطابع الحِرفي للمباني التاريخية ودقة التدخل المعاصر.
وفي قلب المشروع، تمتد قاعة عرض بارتفاع سبعة أمتار، تغطي جدرانها طبقة من أوراق الفضة صُممت لتكتسب مع مرور الوقت طبقة أكثر دفئاً نتيجة تفاعلها مع الهواء والرطوبة المحيطة.
حتى العناصر الزجاجية في المتحف تدخل في هذا الحوار؛ إذ استُخدم زجاج مصفّح منخفض الحديد، أُنتج بملمس معدني وتفاصيل بارزة تسمح للضوء بالمرور عبر أسطح تبدو في آن واحد معاصرة وقريبة من الطبيعة الجيولوجية للمكان.
متحف يتمحور حول اللؤلؤ
تحكي المجموعة داخل المتحف جانباً آخر من هذه القصة.
كان الغوص على اللؤلؤ في قلب اقتصاد البحرين لقرون، ولم يقتصر أثره على الغواصين وحدهم، بل دعم شبكة واسعة من التجار وصانعي السفن والبحارة والحرفيين وغيرهم من المهن المرتبطة بموسم الغوص على اللؤلؤ.
يعرض متحف السيادي للؤلؤ مجموعة من اللآلئ الطبيعية والمجوهرات التاريخية إلى جانب مقتنيات أثرية وتاريخية. ومن أبرز المعروضات اللآلئ البحرينية الطبيعية ومجوهرات مرتبطة بالتاريخ التجاري الطويل للمنطقة، بما في ذلك قطع ذات صلة بأرشيف كارتييه.
وقد زار جاك كارتييه البحرين بنفسه بحثاً عن اللؤلؤ الطبيعي، لتنشأ علاقة بين صناعة اللؤلؤ في الجزيرة وبعض أشهر دور المجوهرات في العالم.
لهذا، لا يمثل المتحف وجهة لعشاق المجوهرات فحسب، بل يقدّم لمحة عن منظومة اقتصادية وثقافية كاملة شكّلت الحياة اليومية في الجزيرة.
المحرّق… تراث حي
يشكّل المتحف أيضاً جزءاً من مشهد ثقافي أكبر.
يمتد مسار اللؤلؤ عبر ما تبقى من عمارة اقتصاد اللؤلؤ في المحرّق، رابطاً بين البيوت التاريخية والمتاجر والمساجد والمخازن والمواقع الساحلية. ويتيح المسار للزائر أن يعيش تاريخ اللؤلؤ من خلال المدينة نفسها، وليس من خلال مؤسسة واحدة فقط.
ويقع مجمّع السيادي ضمن هذه الشبكة إلى جانب مسجد السيادي وبيت السيادي. وقد بُني المسجد عام 1865، وأُدخلت عليه تعديلات لاحقاً عام 1910، ولا يزال مكاناً للعبادة، فيما تكشف المباني التاريخية المحيطة به عن الطريقة التي كانت تعيش وتعمل بها العائلات التجارية داخل النسيج الحضري نفسه.
وهنا تكمن خصوصية التجربة: فالزائر لا يدخل معرضاً فحسب، بل يدخل البيئة التي نشأت فيها القصة نفسها.
فصل جديد لتقليد عريق
لطالما كان إرث اللؤلؤ جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية للبحرين، إلا أن متحف السيادي للؤلؤ يقدّمه اليوم من خلال عدسة معاصرة.
لا يحاول التصميم إعادة خلق الماضي، بل يسمح للحجر المرجاني القديم والتفاصيل الزخرفية والملامس الجديدة والزجاج والأسطح المعدنية بأن تتعايش معاً. والنتيجة متحف متجذّر في المحرّق، لكنه يخاطب جيلاً جديداً من الزوار.
وفي منطقة غالباً ما ترتبط فيها العمارة المعاصرة بما هو جديد، يقدّم متحف السيادي للؤلؤ احتمالاً آخر: أن نتطلع إلى المستقبل من خلال الحفاظ بعناية على ما سبق.
هنا، لا تعود اللؤلؤة مجرد قطعة خلف واجهة زجاجية، بل تصبح مدخلاً إلى تاريخ مدينة واقتصاد وثقافة، وتذكيراً بمدى عمق العلاقة التي جمعت البحر بحياة أهل البحرين.
يقع متحف السيادي للؤلؤ في المحرّق، البحرين، على امتداد مسار اللؤلؤ.
