تشارك

 

بعد غياب دام ثماني سنوات، عاد الفنان الفلسطيني خليل رباح إلى بيروت من خلال معرضه الفردي Some other things ruled it، الذي يُقام في الوقت نفسه في مساحتي غاليري صفير-سملر في الكرنتينا ووسط بيروت. افتُتح المعرض في 26 أغسطس 2026، ويجمع بين أعمال جديدة وإعادات صياغة لمشاريع مستمرة، مواصلًا بحث رباح في علاقة الأشياء والمواد والذاكرة بالأنظمة التي تمنحها معناها.

في مساحة الكرنتينا، يحوّل رباح مجموعة من الأشياء المنزلية المألوفة إلى متاهة مقلقة من اللقاءات غير المتوقعة. تُنتزع الطاولات والأدوات وقطع الأثاث والمواد المستعملة من وظائفها اليومية، وتُعاد صياغتها ضمن تركيبات غريبة. تتحول دفيئة إلى مكان تُترك فيه النباتات لتذبل، بينما تُغطى طاولات مقلوبة بأكوام من المسامير الحادة، وتبرز المناشير الصدئة من أقمشة ملونة، فيما يمتد السلك الشائك بين ثريات مزخرفة. وفي مكان آخر، وُضعت طاولة كي داخل صندوق عرض تعلوها مجموعة من كاميرات المراقبة الموجهة نحو مدخل الغاليري.

تبقى الأشياء قابلة للتعرّف عليها، لكن معانيها تبدأ في التحوّل.

يستحضر رباح إرث دادا وأعمال مارسيل دوشان الجاهزة، إلا أن الأشياء هنا لا تنتقل ببساطة من الحياة اليومية إلى فضاء الفن. فهي تحتفظ بتاريخها وارتباطاتها، حتى بعد أن تفقد وظائفها الأصلية. فالكرسي يبقى كرسيًا، والمطرقة تبقى مطرقة، لكن علاقاتها الجديدة بالأشياء المحيطة بها تجعل قراءتها بالطرق المألوفة أكثر صعوبة.

يتحوّل العمل التركيبي إلى ما يشبه أرشيفًا حيًا بلا ترتيب ثابت، حيث تُجمع الأشياء وتُكدّس وتُعرض وتُخفى ثم يعاد ترتيبها. يبدو أن كل شيء ينتمي إلى نظام ما، لكن هذا النظام نفسه يظل عصيًا على الفهم الكامل. هذا التوتر بين ما نعرفه وما نعجز عن تفسيره يشكّل جوهر المعرض.

أما في مساحة وسط بيروت، فينتقل رباح إلى الأعمال الورقية، مواصلًا بحثه في التكرار والانقطاع والإصلاح. ومن منزله في رام الله، يرسم جذوع أشجار الزيتون المقطوعة، قبل أن يحولها تدريجيًا إلى أشكال تستحضر أجزاءً بشرية منفصلة وتكوينات عضوية.

تُنفّذ الرسومات باستخدام أعواد الشمع الملونة، ثم تُمزق وتُعاد تجميعها، في عملية تحوّل صناعة العمل الفني إلى دورة مستمرة من الهدم وإعادة البناء.

إلى جانب هذه الأعمال، يقدم رباح ثوبًا فلسطينيًا تقليديًا ضخمًا جُمّع من أثواب قديمة ارتدتها جدات ونساء من قرى فلسطينية مختلفة. يصبح الثوب تحية للمرأة والأمومة، وفي الوقت نفسه وعاءً للذاكرة يحمل آثار الأشخاص والأماكن والأجيال.

في المساحتين، يبحث Some other things ruled it في ما يحدث للأشياء المألوفة عندما تُنقل من سياقها، أو تُكسر، أو تُصلح، أو تتحول إلى شيء آخر. فالمعرض لا يكتفي بتوثيق ما تم تدميره أو التخلص منه، بل يتساءل كيف يمكن إعادة تنظيم الأشياء والمعاني المرتبطة بها.

ويستمر المعرض حاليًا في غاليري صفير-سملر في الكرنتينا ووسط بيروت، مقدّمًا تأملًا في التحوّل: ما الذي نفقده عندما تتغير الأشياء، وما الاحتمالات الجديدة التي قد تظهر في مكان ما فُقد؟