لم يعد الفن الفلسطيني محصوراً في الأماكن التي وُلد فيها. فمن رام الله إلى دبي، ومنها إلى جامعي الأعمال في أوروبا والولايات المتحدة وخارجها، يجد الفنانون الفلسطينيون اليوم جمهوراً دولياً متزايداً، فيما تواصل أعمالهم طرح أسئلة عن الذاكرة والهوية والانتماء والاقتلاع.
في قلب هذا الحراك تقف Zawyeh Gallery، التي أسسها زياد عناني في رام الله عام 2013. بدأ المشروع بمعارض أقيمت داخل منازل خاصة، قبل أن يتحول إلى غاليري ذات حضور دائم في رام الله، ثم يوسّع نطاقه إلى دبي عام 2020، حيث يقع فرعها في Alserkal Avenue، أحد أبرز المراكز الفنية المعاصرة في المنطقة.
لكن قصة زاوِيَة تتجاوز توسّع غاليري من مدينة إلى أخرى. إنها تعكس أيضاً الطريقة التي بدأ بها الفن الفلسطيني بالوصول إلى جمهور قد لا تربطه بفلسطين علاقة مباشرة، وكيف أصبح بعض جامعي الأعمال يتفاعلون مع العمل الفني أولاً، قبل أن يتعرفوا إلى قصته وسياقه.
من بين الفنانين الذين يجسدون هذا التحول محمد جوحة، الفنان المولود في غزة والمقيم في أوروبا منذ أكثر من عقدين. في سلسلة Houselessness، يجمع جوحة قطعاً من القماش والورق والكرتون ومواد مستعادة، محولاً إياها إلى أعمال مركبة تقع بين التجريد والأرشيف الشخصي.
تحمل المواد نفسها جزءاً من القصة. بعضها مستعاد، وبعضها مأخوذ من ملابس الفنان، فيما ترتبط السلسلة بتجربته الشخصية مع فقدان منزله في غزة، حيث دُفنت مئات من لوحاته تحت الأنقاض.
بدلاً من تصوير الفقد بشكل مباشر، يظهر في أعمال جوحة من خلال الأسطح الممزقة، والخياطة، والطبقات المتراكبة والمواد المتناثرة. يصبح العمل الفني مساحة لإعادة تركيب ما تشتت، وتحويل آثار الخسارة إلى شيء جديد.
وهذه الرحلة ليست حالة منفردة.
بحسب زياد عناني، يأتي أكثر من نصف عملاء زاوِيَة من فلسطينيين يعيشون خارج فلسطين، في دول من بينها الإمارات والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا. لكن وجود الغاليري في دبي فتح الباب أيضاً أمام جمهور جديد من الإمارات وجامعي أعمال دوليين من دول مختلفة.
يدخل بعض الزوار وهم يعرفون مسبقاً الفنانين الذين يريدون رؤيتهم، بينما يكتشف آخرون الفن الفلسطيني للمرة الأولى.
وهنا تصبح مهمة الغاليري أكبر من مجرد عرض الأعمال. فالتعريف بالفنان وسياقه، ومساعدة المقتني على فهم ما يشتريه، أصبح جزءاً من الطريقة التي يصل بها الفن الفلسطيني إلى جمهور جديد.
ويظهر هذا الانتشار أيضاً في رام الله، حيث تذهب نسبة كبيرة من مبيعات معارض زاوِيَة إلى مشترين خارج فلسطين. ويكتشف بعض جامعي الأعمال الفنانين عبر الإنترنت، ويشترون أعمالاً قد لا يرونها للمرة الأولى إلا بعد وصولها إلى منازلهم على بعد آلاف الكيلومترات.
وتكشف الأسعار بدورها عن اتساع هذا السوق. فقد تبدأ أعمال الفنانين الشباب من بضع مئات من الدولارات، بينما تصل أعمال الفنانين المعروفين إلى أرقام تتجاوز المئة ألف دولار.
لكن الاهتمام بالفن الفلسطيني لا يُقاس بالسعر وحده.
فما يجذب جمهوراً متزايداً اليوم هو اتساع اللغة البصرية نفسها. فإلى جانب المناظر الطبيعية والتطريز والرموز الفلسطينية المعروفة، يعمل الفنانون المعاصرون عبر التجريد والمفاهيم والنحت والمواد غير التقليدية والذاكرة الشخصية.
يظهر ذلك بوضوح في أعمال بشار خلف، الذي ترتبط ممارسته الفنية بمدينة رام الله التي عاش فيها لنحو 35 عاماً، مراقباً تغير مبانيها وشوارعها واتساعها مع مرور الوقت.
بالنسبة إلى خلف، تصبح المدينة نقطة انطلاق للتفكير في تحولات أكبر، سياسية واجتماعية واقتصادية، وفي الطريقة التي تتغير بها علاقة الإنسان بالمكان والهوية.
وفي معرضه The Field of Dreams، الذي عُرض للمرة الأولى في مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، تظهر هذه الأفكار من خلال الحديد والهياكل المتشابكة. تبدو بعض الأعمال وكأنها في طور البناء، فيما توحي أخرى بشيء ينهار أو يغلق على نفسه.
بين البناء والهدم، والحماية والانغلاق، يبحث خلف في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الهوية الشخصية والذاكرة المشتركة.
كما يطرح عمله سؤالاً مهماً حول الصورة التي يتوقعها البعض من الفن الفلسطيني. فبينما تبقى الرموز التي رسختها أجيال سابقة جزءاً أساسياً من تاريخ الفن الفلسطيني، يعيش الفنانون اليوم واقعاً مختلفاً، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على أعمالهم.
وهكذا، يصبح المشهد الفني الفلسطيني أكثر تنوعاً، وأقل قابلية للاختزال في صورة واحدة.
بالنسبة إلى ريهام شاهين، الفنانة المولودة في غزة والمقيمة في دبي منذ أكثر من عقدين، تظهر فلسطين في أعمالها بطريقة مختلفة: من خلال الذاكرة.
أصبحت دبي موطنها ومكان تشكل تجربتها الفنية، لكن ذكريات طفولتها في دير البلح لا تزال حاضرة في لوحاتها؛ البحر، وأشجار النخيل والبرتقال، والخيول، والعائلة، واللون الأزرق الذي يتكرر في أعمالها.
لا تحتاج فلسطين في لوحات شاهين دائماً إلى أن تكون موضوعاً واضحاً. إنها حاضرة كإحساس، كذاكرة، وكجزء من هوية الفنانة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة في المشهد الحالي: فزيادة الظهور الدولي لا تعني بالضرورة زيادة الفرص أمام الفنانين.
قد يمنح الاهتمام العالمي الفنان مزيداً من visibility، لكنه لا يعوض دائماً الحاجة إلى المساحات والموارد والدعم المؤسسي الذي يسمح له بالاستمرار في الإنتاج.
وهنا يأتي دور المؤسسات والغاليريهات.
أصبحت دبي خلال السنوات الأخيرة نقطة التقاء مهمة للفنانين والغاليريهات وجامعي الأعمال من المنطقة والعالم. ووجود زاوِيَة في Alserkal Avenue يمنح الفنانين الفلسطينيين مساحة داخل هذا المشهد الدولي المتنامي، ويساعد أعمالهم على الوصول إلى جمهور يتجاوز حدود فلسطين والمنطقة.
لكن الحضور لا يقتصر على دبي. فالفنانون الفلسطينيون يظهرون اليوم في معارض ومؤسسات فنية في أوروبا والشرق الأوسط، كما يصل بعضهم إلى الفعاليات الفنية الدولية الكبرى.
وبالنسبة إلى عناني، فإن الخطوة المقبلة لا تتعلق فقط بالوصول إلى المزيد من جامعي الأعمال، بل بترسيخ حضور الفن الفلسطيني داخل المتاحف والمؤسسات والمعارض الكبرى والفعاليات التي تشكل المشهد الفني العالمي.
من معارض بدأت داخل منازل في رام الله، إلى غاليري في دبي، وإلى أعمال تنتقل بين القارات، قطعت الأعمال الفلسطينية مسافة كبيرة.
واليوم، لا يكتفي الفن الفلسطيني بالسفر إلى جمهور جديد؛ بل يدخل معه في حوارات جديدة، مقدماً صورة أكثر تعقيداً وتنوعاً عن فلسطين، من خلال الفنانين أنفسهم وأصواتهم وتجاربهم.
