في مركز أبوظبي الإبداعي، يجمع معرض «تفضّل بالجلوس» (Pull Up a Chair) أعمال 17 فنانة إماراتية في معرض جماعي حميمي يستكشف الذاكرة والهوية والمشاعر وتفاصيل الحياة اليومية. بإشراف القيّمة سارة السليماني، يدعو المعرض الزوار إلى التمهّل والتفاعل مع أعمال تنطلق من التجارب الشخصية لتحوّلها إلى أعمال فنية ملموسة وغنية بالتأمل.
لا يتبع المعرض لغة بصرية واحدة، بل ينتقل بين الطباعة والتركيب الفني والمنسوجات والرسم والشعر والنحت. وما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامها بما هو شخصي: الذكريات التي نحتفظ بها، والعادات التي نكررها، والمشاعر التي تشكّلنا بهدوء مع مرور الوقت.
من بين الأعمال المشاركة، تقدم الفنانة سارة محمد جمعة الرميثي عملها ما الذي يستهلك أفكاري (2026)، وهو سلسلة من ثماني طبعات بالحبر على ألواح الجل، استخدمت فيها أنابيب المحاليل الطبية كأداة للطباعة. للوهلة الأولى، تبدو الأشكال وكأنها مشاهد كونية، قبل أن تكشف عن مصدرها الطبي، محوّلة شيئاً سريرياً ومألوفاً إلى لغة بصرية تجريدية.
أما الفنانة ميثاء الحوسني فتتناول في عملها مُستهلك (Consumed) (2026) جانباً آخر من الحياة المعاصرة: الاستهلاك. من خلال الإيصالات والسلاسل المعدنية، تجمع الفنانة آثار عمليات الشراء اليومية، من إيصالات العلامات التجارية إلى إيصال تعبئة الوقود من أدنوك. تتحول هذه التفاصيل البسيطة إلى سجل للعادات والرغبات ولحظات المتعة العابرة المرتبطة باقتناء شيء جديد.
وتحضر الذاكرة أيضاً من خلال اللمس وصناعة الأشياء. في عمل سارة الكتبي تحت الفرو (Beneath the Fur) (2026)، تتحول خيوط الأكريليك إلى أشكال معلّقة تشبه الفرو، مستوحاة من علاقة الفنانة بالقطط. ويحوّل العمل تجربة اللمس اليومية إلى تجربة بصرية ومادية ترتبط بالراحة والألفة.
وفي عمل إن الله مع الصابرين (2026)، تستعيد فاي المزروعي ذكرى جدتها الراحلة من خلال خرزات مغطاة بشكل فردي برقائق الورد المجفف الذي جمعته من حديقة جدتها. هنا، لا تصبح النتيجة النهائية وحدها جزءاً من العمل؛ بل تتحول عملية الصنع البطيئة والمتكررة نفسها إلى فعل من أفعال العناية واستعادة الذاكرة.
أما شما القبيسي فتتناول الذاكرة من زاوية أكثر هشاشة في على حافة الغياب (On the Edge of Absence) (2026). تظهر صور مطبوعة على قماش الأورغانزا الشفاف إلى جانب آلة خياطة معلّقة، لتخلق مشهداً يبدو وكأنه عالق بين الحفظ والاختفاء. تتداخل الصور وتتلاشى، في إشارة إلى طبيعة الذاكرة التي لا تبقى ثابتة، بل تتغير وتعود وتتشكّل من جديد.
وفي عمل ما الإنسان إن لم يكن ذكريات؟ (What Is a Person If Not Memories) (2026)، تحوّل غيا المهيريبي جداراً من الطوب الزجاجي إلى أرشيف شخصي. تظهر على وحداته صور من الحياة اليومية، من تجمعات عائلية ولحظات على الشاطئ إلى مشاهد أكثر حميمية. إلا أن تقسيم الجدار يقطع الصور ويجزئها، في محاكاة للطريقة التي تحتفظ بها الذاكرة بالأحداث على شكل أجزاء متفرقة بدلاً من صورة كاملة.
يدخل الشعر إلى المعرض من خلال عمل ريم الكثيري ابنِ عالماً ليتنفس (Build. World to Breathe) (2026)، حيث تحتوي 24 إطاراً خشبياً صغيراً على مقاطع شعرية تتنقل بين الخوف والإرهاق والتقبّل. يمنح الحجم الصغير للعمل إحساساً بالخصوصية، وكأن الزائر يقترب من أفكار لم تكن معدّة بالضرورة لأن تُسمع بصوت عالٍ.
مجتمعةً، تقترح أعمال تفضّل بالجلوس أن الذاكرة ليست مجرد شيء نعود إليه في الماضي، بل شيء نعيد بناءه باستمرار من خلال الأشياء والإيماءات والعلاقات والأماكن. قد يتحول إيصال بسيط، أو قطعة قماش، أو صورة عائلية، أو قطعة مصنوعة باليد إلى بوابة تقود إلى قصة أكبر.
وتكمن جاذبية المعرض في هذه الحميمية تحديداً. فلا يقدم تعريفاً واحداً للذاكرة، ولا يحاول جعل التجربة الشخصية تجربة عامة بالضرورة؛ بل تمنح كل فنانة الزائر جزءاً من عالمها، تاركةً له مساحة ليرى ذكرياته الخاصة داخل هذه الأعمال.
يستمر معرض «تفضّل بالجلوس» في مركز أبوظبي الإبداعي حتى 21 أغسطس 2026.
