قد لا يكون الوطن دائماً مكاناً نستطيع الوصول إليه، بل قد يكون صورة نحتفظ بها، أو قصة نعيد روايتها، أو ذكرى تنتقل إلينا عبر الأجيال. هذا هو المحور الذي جمع أكثر من 70 عملاً فنياً في معرض «In Absence and in Presence: Works from the Sharjah Art Foundation Collection»، الذي استضافه Aranya Art Center في غوانغجو، الصين، واختتم في 6 أغسطس 2026.
قدّم المعرض، الذي يُعد من أكبر العروض الدولية لمجموعة مؤسسة الشارقة للفنون في آسيا حتى الآن، أعمالاً لـ28 فناناً من المنطقة، في رحلة بين الذاكرة والتاريخ والمناظر الطبيعية وفكرة الوطن.
من أبرز الأعمال التي استقبلت الزوار أعمال إيمان عيسى، التي أعادت من خلالها النظر في الطريقة التي نُعرّف بها التاريخ ونحفظه. كما حضرت أعمال الفنانة إيتل عدنان، التي استحضرت من خلال الأشجار والجبال والمناظر الطبيعية فكرة المكان الذي يمكن أن يصبح وطناً حتى عندما نعيشه من بعيد.
وفي أعمال أخرى، تحوّل المكان نفسه إلى وسيلة لاستعادة الذاكرة. في فيلم The Landing لأكرم زعتري، تصبح بقايا مساكن قديمة في الشارقة جزءاً من تجربة صوتية تستعيد آثار الحياة التي مرت بها. أما أعمال مونا حاطوم، وحسن شريف، وزينب سديرة، فتتناول الأرض والهجرة والحدود والرحلات التي قد تختفي من التاريخ، لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة.
ويواصل المعرض هذا الحوار من خلال أعمال تتناول الإنسان والهوية والحياة اليومية، حيث تتقاطع اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية بين الواقع والخيال. وتظهر الوجوه والأجساد والمشاهد اليومية كطرق أخرى لحفظ القصص التي قد لا تجد مكاناً لها في الروايات الرسمية.
ما يجعل هذا المعرض لافتاً ليس فقط تنوع الأعمال والفنانين، بل الطريقة التي يعيد بها تعريف مفهوم الوطن. فالوطن هنا ليس بالضرورة جغرافيا محددة؛ يمكن أن يكون شجرة، أو صوتاً، أو صورة، أو حكاية عائلية، أو حتى مكاناً لم نره من قبل.
من الشارقة إلى غوانغجو، حملت مجموعة مؤسسة الشارقة للفنون حواراً يتجاوز الحدود الجغرافية، لتذكّرنا بأن الذاكرة قادرة على إعادة بناء الأماكن، وأن الفن يمكن أن يحافظ على حضور ما أصبح بعيداً أو مفقوداً.
«In Absence and in Presence» اختتم في 6 أغسطس 2026 في Aranya Art Center في غوانغجو، لكنه يترك وراءه سؤالاً مستمراً: عندما يغيب المكان، هل تكفي الذاكرة لإبقائه حاضراً؟
