تشارك

في الجناح اللبناني ضمن بينالي البندقية الـ61، يحوّل الفنان نبيل نحاس الرسم إلى تجربة غامرة تجمع بين الطبيعة والهندسة والكون.

بالنسبة إلى نحاس، لا تُعتبر المادة مجرد عنصر بصري. فالحجر، والغصن، ونجم البحر، وحتى قطع الزجاج، يمكن أن تصبح جزءاً من لغة بصرية أوسع تربط بين أصغر تفاصيل المادة واتساع الكون، وبين التجربة الشخصية والعالم من حولنا.

بدأ افتتان نحاس بالبنية في وقت مبكر من حياته في بيروت، حيث شكّلت المواقع الأثرية والطبيعة اللبنانية مصدراً أساسياً لإلهامه. فقد أثارت أحجار جبيل وبعلبك الضخمة اهتمامه من خلال توازنها وهندستها، بينما جعلته نشأته في محيط فني قريب من الفن يطوّر علاقة مبكرة مع الرسم. بدأ الرسم في سن العاشرة، وكانت الزهور والطبيعة من أولى موضوعاته.

مع مرور العقود، تطوّرت ممارسته بين اتجاهين يبدوان متناقضين: التجريد الهندسي الدقيق والتعبير العضوي العفوي. لكنه لم يختر أحدهما على حساب الآخر، بل سمح للغتين بالتطور جنباً إلى جنب. فأصبحت الخطوط، والأنماط الفراكتلية، والطلاء المتدفق، والأشكال العضوية عناصر ضمن عالم بصري واحد.

وتبقى الطبيعة في قلب هذه الرحلة. يظهر نجم البحر بشكل متكرر في أعماله، حيث يتحول من شكل بحري بسيط إلى رمز للبنية والحركة والتجدد. كما وسّعت تجاربه مع زجاج مورانو علاقته بالمادة، جامعاً بين الأشكال الطبيعية والحرفية وحتى بقايا النفايات التي جُمعت من شواطئ بيروت.

ويصل هذا الحوار بين السيطرة والاكتشاف إلى مستوى جديد في عمله Don’t Get Me Wrong (2026)، الذي يقدمه في الجناح اللبناني. يجمع العمل بين التجريد الهندسي والأنماط الفراكتلية والدوامات والإشارات إلى الطبيعة اللبنانية.

تحضر أشجار الأرز والزيتون كرموز للجذور، بينما تضيف الدوامات المستوحاة من التصوف الصوفي بعداً تأملياً للعمل. وهكذا تتحول التجربة إلى أكثر من مجرد تركيب تجريدي؛ إنها انعكاس للبنان بما يحمله من تعقيد وتناقض وقدرة مستمرة على الصمود.

في النهاية، يدعونا نحاس إلى النظر إلى ما وراء السطح، وإلى اكتشاف الأنماط نفسها في أصغر تفاصيل المادة، وفي الأشجار والمناظر الطبيعية وحتى المجرات. وفي الجناح اللبناني، تتحول هذه الفكرة إلى تأمل في الهوية نفسها: متجذّرة في لبنان، لكنها تمتد إلى ما هو أبعد من حدوده.

يقع الجناح اللبناني في منطقة الأرسينالي ضمن بينالي البندقية الـ61.