تشارك

ماذا يحدث عندما لا يعود المشهد المألوف مجرد شيء نراه، بل يصبح شيئاً نتذكره ونعيد تفسيره ونشعر به؟

بالنسبة إلى الفنانة الإماراتية علياء زعل، النظر فعل حميمي. في معرضها الفردي الأول لدى Gallery Isabelle، بعنوان In Plain Sight، تتخلى المناظر الطبيعية عن صورتها البانورامية المألوفة لتتحول إلى تفاصيل دقيقة وقريبة. أوراق الأشجار، الأغصان، الضوء والألوان تصبح أبطالاً للغة بصرية هادئة، تتشكل بقدر ما من الذاكرة والإدراك كما من العالم المحيط.

ومن بين أبوظبي ودبي، تستمد زعل إلهامها من البيئات التي تحيط بها. لكنها لا تقدّم الإمارات من خلال مشاهد المدن المعروفة أو المناظر الصحراوية الواسعة، بل توجه نظرها نحو التفاصيل التي قد تمر عادةً من دون انتباه. مجموعة من أوراق الغاف، ملمس النباتات أو تغير الضوء على مشهد مألوف، تتحول جميعها إلى دعوة للتوقف والنظر من جديد.

من خلال أعمال على القماش والورق والنسيج والسيراميك، تبني زعل حواراً بين المواد المختلفة وطرق الرؤية المتعددة. وتبدو أعمالها في كثير من الأحيان معلّقة بين الوضوح والاختفاء، فتظهر المناظر تدريجياً بدلاً من أن تكشف عن نفسها دفعة واحدة.

ويتجلى هذا التوتر بوضوح في عملي Biarritz Evening وBiarritz by Night، حيث تبدو النباتات وكأنها عائمة تحت سطح اللوحة. ويحوّل غياب نقطة تركيز واضحة فعل النظر إلى تجربة أكثر بطئاً وتأملاً. فالمشهد حاضر، لكنه لا يبدو ثابتاً تماماً.

وفي أعمال أخرى، تعود الفنانة إلى شجرة الغاف، الشجرة الوطنية لدولة الإمارات، لا بوصفها رمزاً ينبغي تضخيمه، بل كعنصر مألوف يحمل ذاكرة المكان. في Ghaf Memory in Biarritz، تملأ الأوراق الرقيقة مساحة التكوين، فيما تبدو بنيتها الدقيقة أشبه بخيوط منسوجة. وما قد يبدو للوهلة الأولى دراسة نباتية بسيطة يتحول إلى تأمل في المكان والذاكرة والشظايا الصغيرة التي نبني منها إحساسنا بالوطن.

وتصبح الذاكرة أكثر حضوراً في Mushrif Mist. يستحضر العمل حدائق مشرف في أبوظبي ودبي، وهي أماكن تحمل ذكريات خاصة لدى أجيال نشأت في الإمارات. وتمنح الإضاءة المضيئة للعمل إحساساً بضوء القمر، بينما يبدو المشهد الطبيعي وكأنه يتأرجح بين الذكرى والواقع.

وهكذا، لا تكون مناظر زعل الطبيعية موضوعية بالكامل. إنها تمر عبر الإدراك الفردي والمشاعر والتجربة الشخصية. وتصبح هذه الفكرة أكثر خصوصية في سلسلة Through his Eyes، المستوحاة من طريقة والدها في رؤية الألوان والصعوبة التي يواجهها في التمييز بينها. ومن خلال طبقات من الأزرق والأخضر والبنفسجي والدرجات الداكنة، تعيد زعل بناء المناظر الطبيعية وفق تجربة بصرية مختلفة، في إشارة إلى أن العالم لا يُرى بطريقة واحدة.

ويمتد اهتمام الفنانة بالإدراك إلى تقليد فكري أقدم بكثير. إذ يدخل المعرض في حوار مع كتاب «كتاب المناظر» لابن الهيثم، الذي يعود إلى القرن الحادي عشر، ويُعد من أهم الدراسات التاريخية في الضوء والرؤية والإدراك. وبعد قرون، تعود زعل إلى الأسئلة نفسها تقريباً، ولكن بأدوات معاصرة، فتستخدم صوراً تلتقطها بهاتفها كمرجع بصري تنطلق منه في بناء لوحاتها.

المفارقة لافتة: عالم قديم يبحث في آليات الرؤية، وفنانة معاصرة تستكشف كيف يتحول النظر إلى ذاكرة.

وفي عملي Afternoon in Al Jubail وSunset in Al Jubail، تتجه زعل نحو جزيرة الجبيل في أبوظبي، بما تضمه من غابات القرم والممرات المائية والأنظمة البيئية الساحلية. هنا يظهر المشهد على النسيج، فتبدو الصورة أكثر ليونة وكأنها تذوب تدريجياً في مادتها. وهشاشة الخامة تعكس بدورها الطبيعة العابرة للمشاهد التي تستحضرها الفنانة.

طوال معرض In Plain Sight، تذكّرنا زعل بأن النظر ليس فعلاً سلبياً. فأن تنظر عن قرب يعني أن تحفظ. وأن تحوّل تفصيلاً عادياً إلى صورة مشحونة بالذاكرة والمشاعر.

في النهاية، تدعونا أعمالها إلى إعادة النظر في المناظر التي نظن أننا نعرفها. فخلف كل شجرة مألوفة، وكل ظل متغير، وكل ورقة تتمايل في الضوء، توجد حكاية أخرى؛ حكاية يصوغها الزمن والتجربة الشخصية والطبيعة المتغيرة للذاكرة.

أحياناً، لا نحتاج إلى أن ننظر أبعد كي نرى أكثر.

كل ما نحتاجه هو أن ننظر عن قرب.