في بينالي البندقية 2026، يأخذ الفنان اللبناني-الأسترالي خالد صبصبي الجمهور في رحلة تتجه إلى الداخل، لاستكشاف العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الذات والآخر، والقوى التي يمكن أن تجمع الأفراد ضمن تجربة إنسانية مشتركة.
يمثّل صبصبي أستراليا في جناحها الوطني من خلال عمله conference of one’s self، بالتزامن مع مشاركته في المعرض الرئيسي للبينالي من خلال عمله khalil. وبذلك، يصبح أول فنان أسترالي في تاريخ البينالي يشارك في الجناح الوطني والمعرض الرئيسي في الدورة نفسها. ومن خلال العملين، يقدّم الفنان تأملاً بصرياً وروحياً في الهوية والهجرة والانتماء والوعي الجماعي.
بالنسبة إلى صبصبي، تبدأ عملية التحوّل من الفرد نفسه. ففي الجناح الأسترالي، يدخل الزائر إلى عالم غامر من الصور التجريدية البطيئة الحركة، والوجوه المتبدّلة، والضوء والصوت. لا يفرض العمل قراءة واحدة، بل يمنح كل زائر مساحة للتأمل، والنظر بتمعّن، وربما التعرّف إلى جزء من ذاته فيما يحيط به.
يستند العمل بشكل عميق إلى التراث الصوفي، ولا سيما قصيدة «منطق الطير» للشاعر الفارسي فريد الدين العطار، التي تعود إلى القرن الثاني عشر. تروي القصيدة رحلة مجموعة من الطيور بحثاً عن السيمرغ، الطائر الأسطوري الذي يمثل غايتها النهائية. وخلال عبورها سبعة أودية مليئة بالاختبارات، تتحول الرحلة تدريجياً من بحث عن خلاص خارجي إلى رحلة لاكتشاف الذات. وفي النهاية، تكتشف الطيور أن ما كانت تبحث عنه موجود فيها هي.
يحوّل صبصبي هذه الحكاية الصوفية القديمة إلى تجربة بصرية معاصرة. فالجناح يصبح مساحة للتأمل والحركة، حيث تتداخل الصور وتظهر وتختفي، بينما يُترك للزائر أن يختبر العمل وفق إيقاعه الخاص. هذا البطء المقصود يمنح العين وقتاً للتأمل، ويجعل عملية المشاهدة نفسها جزءاً من العمل الفني.
كما تحضر الموسيقى بقوة في لغة صبصبي البصرية. وبفضل خلفيته الطويلة في الموسيقى والهيب هوب، يتعامل الفنان مع الصور كما يتعامل الموسيقي مع العينات الصوتية؛ يجزّئها، ويعيد تركيبها، ويضعها فوق بعضها البعض لصناعة إيقاع بصري متحرك. وهكذا لا تبدو التجربة شيئاً يُشاهد من الخارج فحسب، بل فضاءً يمكن للزائر أن يدخله ويعيش تفاصيله.
في قلب هذه التجربة، يضع صبصبي فكرة أساسية: أن الفرد والجماعة ليسا نقيضين. فمعرفة الإنسان لذاته يمكن أن تكون الطريق نحو فهم الآخر. وتؤكد الوجوه التي تظهر داخل العمل هذا المعنى، إذ تخلق لحظات يصبح فيها الحد الفاصل بين الزائر والعمل، وبين الذات والآخر، أقل وضوحاً.
وتكتسب هذه الأفكار بعداً شخصياً خاصاً في تجربة صبصبي. وُلد الفنان في لبنان، وغادر البلاد في سن الثانية عشرة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أن يستقر في أستراليا. ومنذ ذلك الحين، ظلت الهجرة والاقتلاع والبحث عن الانتماء خيوطاً أساسية في ممارسته الفنية. إلا أن أعماله لا تتعامل مع الهجرة بوصفها انتقالاً جغرافياً فقط، بل كحالة إنسانية وروحية يمكن أن تعيد تشكيل علاقة الفرد بمفهوم الوطن والهوية والآخر.
ويستمر هذا البحث في khalil، العمل الذي يقدمه صبصبي ضمن المعرض الرئيسي للبينالي، In Minor Keys. يجمع العمل بين رائحة العود، والموسيقى، والصور المسقطة على لوحة ضخمة يبلغ طولها نحو 40 متراً. ويتحرك الزوار حول العمل في مسار عكس عقارب الساعة، في إشارة إلى حركة الدراويش الدوّارة، لتصبح الحركة نفسها جزءاً من التجربة الروحية.
وفي حين يتجه conference of one’s self نحو الذات الخارجية وعلاقتها بالآخر، يغوص khalil بصورة أعمق في العالم الداخلي للإنسان. ومن خلال العملين، يبني صبصبي حواراً بين الداخل والخارج، يجمعهما أساس روحي واحد.
ولفنان لطالما تنقّل بين الثقافات والوسائط والتجارب، تبدو البندقية مساحة مثالية لهذا الحوار. فبينالي البندقية هو بحد ذاته ملتقى لتاريخيات وهويات ووجهات نظر متعددة، حيث تتجاور أصوات من مختلف أنحاء العالم داخل مدينة واحدة.
وتأتي مشاركة صبصبي في وقت يبدو فيه هذا النوع من الحوار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ففي عالم يثقل بالحروب والهجرة والاضطرابات، لا يقترح الفنان الانعزال عن الواقع، بل يدعو إلى التمهّل والتأمل بوصفهما وسيلة لمواجهته بوعي أكبر.
في النهاية، يطرح صبصبي سؤالاً بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في معناه: ماذا يحدث عندما ننظر إلى داخل أنفسنا بما يكفي لنكتشف الآخرين فينا؟
بالنسبة إلى الفنان، ربما تكمن الإجابة في المسافة بين الروحي والإنساني؛ في تلك اللحظة التي يمكن فيها لاكتشاف الفرد لذاته أن يتحول إلى خطوة أولى نحو فهم جماعي أوسع.
