الدخول إلى معرض غزة، المستقبل له قلبٌ عتيق: مواد وذكريات من البحر المتوسط في Fondazione Merz لا يشبه زيارة معرض فني تقليدي، بل هو أشبه بالدخول إلى طبقات متراكمة من الزمن. بين الستائر المخملية الثقيلة، والأعمال الفنية المتنوعة من منحوتات وأفلام وأرشيفات وقطع أثرية، يقدّم المعرض تأملاً عميقاً في غزة — ليس فقط كمكان يعيش تحت وطأة الدمار، بل كأرض متجذّرة في التاريخ والثقافة والذاكرة.
يجمع المعرض أكثر من 80 قطعة أثرية تاريخية إلى جانب أعمال لفنانين معاصرين، ليعيد تقديم غزة كملتقى حضارات عريق عبر القرون. فقبل واقعها السياسي اليوم، كانت غزة مركزاً استراتيجياً على طرق التجارة في البحر المتوسط، حيث التقت الثقافات والعقائد والتقاليد وتداخلت.
يفتتح المعرض بقوة من خلال عمل الفنان Wael Shawky أسرار كربلاء، وهو فيلم بصري مدهش يستخدم الدمى ليستعيد محطات مفصلية من التاريخ الإسلامي والإقليمي. ومنذ اللحظة الأولى، يرسّخ العمل فكرة أساسية: التاريخ هنا ليس ماضياً بعيداً، بل حاضر حيّ ومتكرر.
هذا الحوار بين الماضي والحاضر يظل حاضراً في كل زاوية من المعرض. ففي عمل إعادة تخيّل الوطن، تعيد الفنانة Samaa Emad بناء مشاهد من فلسطين ما قبل النكبة عام 1948، عبر طبقات من الصور والخرائط التي تعيد إحياء القرى والأماكن التي مُحيت. وفي المقابل، يحوّل Khalil Rabah الخرائط إلى بطاقات بريدية تحمل الذاكرة، يمكن للزوار أخذها معهم.
ما يمنح هذا المعرض قوّته الحقيقية هو رفضه حصر غزة في إطار الماضي فقط. بل يقدّمها كمساحة يعيش فيها التاريخ القديم جنباً إلى جنب مع الألم المعاصر. ويبلغ هذا التوتر ذروته في عمل الفنانة Dima Srouji القرابين الشبحية، حيث تتدلّى أجزاء جسدية من الشمع في مشهد يربط بين الآثار القديمة وواقع العنف الحالي.
ورغم ثقل المشهد، يبقى الصمود حاضراً. فمن خلال الطعام، والصور، والبذور، يذكّرنا فنانون مثل Mirna Bamieh وAkram Zaatari وVivien Sansour بأن التراث لا يعيش فقط في المتاحف، بل في الوصفات المتوارثة، والأرشيفات العائلية، والبذور التي تعبر الحدود.
في النهاية، يتجاوز هذا المعرض كونه مساحة فنية ليصبح فعل ذاكرة ومقاومة. فهو يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نحافظ على روح المكان بينما لا يزال مهدداً؟ وربما تكمن الإجابة في ما يفعله هذا المعرض ببراعة — أن يترك مساحة للذاكرة، للحزن، ولليقين بأن حكاية غزة لم تنتهِ بعد.
