تشارك

يستمر معرض «الأسطرلاب... آخذ النجوم» (The Astrolabe: Taker of the Stars) حتى 31 أغسطس 2026 في متحف الفن الإسلامي (MIA) في الدوحة، قطر.

هناك معارض تدعوك للاستمتاع بجمال الأعمال المعروضة، وهناك معارض تغيّر الطريقة التي تنظر بها إلى التاريخ. ويأتي معرض «الأسطرلاب... آخذ النجوم» ضمن الفئة الثانية، حيث يقدم تجربة ثقافية تعيد اكتشاف واحدة من أعظم الابتكارات العلمية في الحضارة الإسلامية، من منظور يجمع بين الفن والتصميم والعلوم.

في متحف الفن الإسلامي بالدوحة، تبدأ رحلة تمتد لأكثر من ألف عام، إلى زمنٍ كان العلماء ينظرون فيه إلى السماء ليس فقط بإعجاب، بل بدقة علمية مذهلة. فقبل ظهور الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الرقمية، كان الأسطرلاب أداة متطورة مكّنت الفلكيين والبحارة والتجار والرحالة من تحديد مواقع النجوم، ومعرفة الوقت، وحساب الاتجاهات، والتنقل عبر الصحارى والبحار بثقة وإتقان.

وقد شكّل هذا الجهاز واحداً من أبرز الإنجازات العلمية في العصور الوسطى.

لكن ما يجعل هذا المعرض مختلفاً حقاً، هو أنه لا يحتفي بالأسطرلاب كاختراع علمي فحسب، بل يكشف عن حقيقة طالما ميزت الحضارة الإسلامية، وهي أن العلم والجمال كانا وجهين لعملة واحدة.

فكل دائرة محفورة، وكل نقش عربي، وكل تصميم هندسي على هذا الجهاز، يعكس حضارة رأت في الرياضيات فناً، وفي الحرفية وسيلة للتعبير عن المعرفة. لم تكن الأدوات العلمية تُصنع لتؤدي وظيفة عملية فقط، بل كانت تُصمم بعناية تضاهي روعة العمارة الإسلامية وفنون الخط والزخرفة.

وهذه الفلسفة هي جوهر المعرض.

فبدلاً من الاكتفاء بعرض الأسطرلاب كقطعة أثرية خلف واجهات زجاجية، يعيد المعرض تقديمه من خلال رؤية معاصرة للمصممة القطرية خولة العيسى، التي أمضت سنوات في البحث داخل مكتبة متحف الفن الإسلامي، لتترجم هذا الإرث العلمي إلى تجربة بصرية حديثة.

ومن خلال الكتب الفنية، والرسومات، والأعمال الورقية، والتصاميم التفاعلية، تقدم العيسى قراءة جديدة للأسطرلاب، تجعل الزائر يعيش القصة بدلاً من الاكتفاء بقراءتها.

والنتيجة تجربة تجمع بين التاريخ والتصميم بطريقة مدهشة.

فالزائر لا يتعلم فقط كيف كان يعمل الأسطرلاب، بل يكتشف أيضاً لماذا كان واحداً من أهم الأدوات التي غيّرت فهم الإنسان للكون.

ومع الانتقال بين أقسام المعرض، يتحول الأسطرلاب إلى نافذة تطل على العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، عندما ازدهرت علوم الفلك والرياضيات والهندسة والفلسفة في مدن مثل بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، وأسهم العلماء في تطوير معارف أثرت لاحقاً في النهضة العلمية الأوروبية.

وربما تكمن قوة المعرض الحقيقية في قدرته على ربط الماضي بالحاضر.

ففي زمن تهيمن فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على تفاصيل حياتنا اليومية، يدعو المعرض الزوار إلى التوقف قليلاً والتأمل في ابتكار صُمم بالكامل اعتماداً على الملاحظة الدقيقة، والحساب، والمهارة اليدوية.

إنه يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:

هل يمكن للتكنولوجيا أن تكون عملاً فنياً؟

وعند التجول بين الأعمال، يبدو الجواب واضحاً.

نعم.

فهذا المعرض ليس عن الفلك وحده، بل عن الفضول الإنساني، وعن الشغف بالمعرفة، وعن قدرة الإنسان على تحويل الأفكار المعقدة إلى قطع تجمع بين الدقة العلمية والجمال الفني.

ولزوار الدوحة هذا الصيف، يقدم «الأسطرلاب... آخذ النجوم» تجربة مختلفة عن المعارض التقليدية. فهو لا يعتمد على كثرة القطع المعروضة، بل على قوة السرد، وجمال التصميم، والقدرة على جعل التاريخ يبدو معاصراً وملهماً.

كما يعكس المعرض رؤية قطر المتواصلة في تقديم مؤسساتها الثقافية كمساحات تلتقي فيها المعرفة بالإبداع، حيث لا يُعرض التراث بوصفه ماضياً منتهياً، بل مصدراً للأفكار والإلهام للأجيال الجديدة من الفنانين والمصممين والباحثين.

وفي النهاية، لا يروي معرض «الأسطرلاب... آخذ النجوم» قصة أداة علمية قديمة فحسب، بل يروي قصة حضارة آمنت بأن البحث عن المعرفة يمكن أن يكون عملاً جمالياً بحد ذاته.

إنه تذكير بأن أعظم الابتكارات لم تولد من العلم وحده، ولا من الفن وحده، بل من اللحظة التي التقى فيها الاثنان لصناعة مستقبلٍ سبق عصره بقرون.