تشارك

في زمن تسيطر فيه الصور السريعة والمحتوى الرقمي العابر، يقدم المصور هوسام بوليفة رؤية مختلفة وأكثر تأملاً للسرد البصري. فمن خلال التصوير الفوتوغرافي التناظري (الفيلم)، يبني الفنان الفرنسي الجزائري أرشيفاً بصرياً يوثق الهوية والذاكرة والانتماء الثقافي عبر الأجيال.

وُلد بوليفة في فرنسا لأبوين جزائريين ينحدران من جنوب شرق الجزائر، وكانت صلته الأولى بجذوره تتشكل من خلال ألبومات الصور العائلية وأشرطة الفيديو التي كانت تصل من الجزائر. تحولت تلك الأرشيفات العائلية إلى جسر يربط بين الأماكن والذكريات، حاملةً معها قصص العائلة وتقاليدها عبر الحدود.

ولا تزال هذه الفكرة حاضرة في أعماله اليوم. فاختياره العمل حصرياً باستخدام أفلام التصوير يعكس إيمانه بأهمية التمهل في التقاط اللحظة واستيعابها. بالنسبة له، تصبح كل صورة وسيلة لحفظ الذكريات ومنحها حياة أطول.

تركز أعمال بوليفة بشكل متكرر على الجزائر، حيث يوثق المناظر الطبيعية والحياة اليومية والاحتفالات الشعبية والعادات الثقافية التي تشكل جزءاً أساسياً من الهوية الجماعية. ومن بين المواضيع المتكررة في صوره عروض الفانتازيا للفروسية، والتجمعات العائلية، وثقافة كرة القدم التي تحتل مكانة خاصة في المجتمع الجزائري.

وتبرز كرة القدم كواحدة من أقوى رموز الانتماء في أعماله، إذ يلتقط صوراً لأطفال وشباب يرتدون قميص المنتخب الجزائري، في مشاهد تعكس شعوراً مشتركاً بالهوية يتجاوز حدود المكان والزمان.

ولا تقتصر رحلته البصرية على الجزائر فقط، بل تمتد إلى فرنسا وتركيا والمملكة العربية السعودية، في انعكاس للتنقل والتواصل الثقافي الذي يميز تجارب العديد من أبناء المنطقة العربية اليوم. ومن أبرز مشاريعه سلسلة «الطريق إلى السلام»، التي صورها خلال رحلة الحج إلى مكة المكرمة، حيث يوثق لحظات التأمل والإيمان والتجربة الروحية المشتركة بين الحجاج من مختلف الخلفيات.

ما يمنح أعمال بوليفة خصوصيتها هو موقعه الفريد بين عالمين؛ فهو ليس غريباً تماماً عن الأماكن التي يصورها، ولا ينتمي إليها بصورة مطلقة. هذه المسافة المتوازنة تسمح له بالنظر إلى التفاصيل المألوفة بعين فضولية وحساسة في آن واحد.

وفي وقت تتصاعد فيه النقاشات حول الهوية والانتماء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يقدم أرشيف هوسام بوليفة المتنامي شهادة بصرية على قوة الصورة في حفظ الذاكرة الجماعية وربط الأجيال ببعضها البعض، مؤكداً أن التصوير الفوتوغرافي ليس مجرد توثيق للحاضر، بل وسيلة لحماية القصص من النسيان.