كومبتوار دي مين غاليري، مراكش
مستمر حتى 25 يوليو 2026
في مراكش، لا يظهر عمل عبّاس الصالدي كأرشيف فني من الماضي، بل كقوة بصرية حيّة تعيد طرح أسئلة حول الحداثة المغربية وحدودها، وكيف يمكن إعادة قراءتها اليوم داخل سياق فني معاصر.
يأتي معرض “عبّاس الصالدي: الرحلة الصوفية” المقام في كومبتوار دي مين غاليري كتحية فنية لأحد أكثر الأسماء تفرّداً في الحداثة المغربية، والذي بقي لفترة طويلة خارج السرديات الفنية السائدة. يجمع المعرض أعمالاً من لوحات ورسومات ومواد أرشيفية مستمدة من مجموعات خاصة، ما يتيح فرصة نادرة لاكتشاف عالم بصري ظلّ متفرقاً ومحدود الظهور.
تتميز ممارسة الصالدي بلغة بصرية شخصية تتشكل من الروحانية والرمزية والعمق النفسي. أعماله لا تنتمي إلى مدرسة فنية واضحة، بل تتطور كمسار داخلي يعكس حالة من التأمل الوجودي، حيث تتحول التجربة الإنسانية إلى بنى بصرية كثيفة ومشحونة بالمعنى.
داخل المعرض، يواجه الزائر عوالم مأهولة بكائنات هجينة وأشكال طوطمية تتجاوز التصنيف. هذه الشخصيات لا تُقدَّم كأجساد واقعية أو سرديات مباشرة، بل كرموز معلّقة بين الإنسان والأسطورة والحلم، ما يجعل القراءة البصرية مفتوحة وغير نهائية.
تتسم أعمال الصالدي بكثافة تركيبية عالية، حيث تتداخل الطبقات اللونية والرمزية لتخلق فضاءات غير مستقرة بصرياً. هذا التداخل بين الواقع والخيال يفتح المجال أمام تجربة تأملية أكثر من كونها قراءة مباشرة، إذ يدفع المتلقي إلى الدخول في عالم نفسي وروحي معقّد.
وتزداد أهمية هذا المعرض من خلال موقعه في مراكش، المدينة التي شكّلت جزءاً من حساسية الفنان البصرية. فإيقاعات المدينة، وتاريخها المتعدد، وطبقاتها الثقافية تنعكس بشكل غير مباشر في أعماله، لتصبح مراكش ليست فقط مكان العرض، بل جزءاً من السرد الفني نفسه.
كما يطرح المعرض سؤالاً أوسع حول الذاكرة الفنية وإعادة الاكتشاف: كم من الفنانين الحداثيين في العالم العربي والمغرب ما زالوا خارج الضوء النقدي والمؤسساتي بسبب تشتت الأرشيف أو ضعف التوثيق؟
من خلال هذا العرض، لا يتم فقط إعادة تقديم أعمال عبّاس الصالدي، بل إعادة بناء عالمه البصري ككل، بما يحمله من عمق روحي وتجريبي يتجاوز الزمن.
في النهاية، يرسّخ “الرحلة الصوفية” موقع الصالدي كصوت أساسي داخل الحداثة المغربية، ليس كحالة هامشية، بل كجزء جوهري من فهم تطور الفن الحديث في المنطقة.
