تشارك

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، استطاع الفنان السوري Safwan Dahoul أن يبني لغة بصرية خاصة تقوم على الصمت والذاكرة والهشاشة الإنسانية. ويُعد اليوم واحدًا من أبرز الفنانين التشكيليين في العالم العربي، حيث كرّس أعماله لاستكشاف العمق النفسي للإنسان من خلال لوحات أحادية اللون تحمل أجواءً حالمة ومشحونة بالمشاعر.

ويأتي معرضه الجديد العين: نافذة إلى الروح، المقام في Ayyam Gallery في دبي من 16 مايو حتى 4 يوليو 2026، ليشكّل امتدادًا جديدًا لسلسلته الشهيرة الحلم. كما يضم المعرض أعمالًا تجريبية تُعرض للمرة الأولى في الإمارات بعد تقديمها سابقًا في الصين، في خطوة تكشف تطور رؤيته الفنية والإنسانية.

لطالما دارت لوحات داحول حول فضاءات داخلية غامضة وفقيرة بالتفاصيل، تسكنها شخصيات وحيدة تعيش حالات من التأمل والحزن والإنهاك النفسي. هذه المساحات الخالية من أي عناصر مشتتة تتحول إلى بيئات نفسية يعبّر من خلالها الفنان عن الاغتراب والحنين وثقل الوجود الإنساني. وتتداخل في أعماله تأثيرات الفن التكعيبي والفنون الآشورية والفرعونية، ما يمنحها طابعًا بصريًا خالدًا يتجاوز الزمن والمكان.

لكن في هذه المجموعة الجديدة من الأعمال، يبدو الإحساس بالاختناق أكثر حدة من أي وقت مضى. فالغرف المفتوحة نسبيًا في أعماله السابقة تتحول هنا إلى صناديق مغلقة تضيق بالشخصيات وتحاصرها داخل حدود صارمة. وتظهر الأجساد وكأنها منكمشة على ذاتها، عالقة بين الحماية والاختناق، بينما تتحول المساحة نفسها إلى عنصر أساسي في التعبير عن التوتر النفسي.

وفي قلب هذا التحول تبرز “العين” بوصفها الرمز الأهم في المعرض. فمع ازدياد عزلة الشخصيات وانغلاقها داخل فضائها الضيق، تصبح العين المنفذ الأخير بين العالم الداخلي والخارجي، والوسيلة الوحيدة التي تسمح للمشاعر والذاكرة بأن تظهر إلى السطح. أحيانًا تبدو العين مضيئة ومليئة بالحياة، وأحيانًا أخرى خافتة ومتعبة، وكأنها تعكس حالة وجودية معلقة بين الأمل والانطفاء.

ومنذ أواخر الثمانينيات، استكشف داحول في سلسلة الحلم التأثيرات النفسية للوحدة والحزن والاغتراب والصراعات السياسية. وتحمل هذه الأعمال طابعًا شخصيًا مستوحى من تجارب إنسانية عميقة، لكنها في الوقت نفسه تعكس مشاعر جماعية يعيشها الكثيرون. أما الشخصية النسائية المتكررة في لوحاته، بنظراتها الشاردة ووضعياتها المنكسرة، فتجسد حالة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.

وُلد داحول في مدينة حماة السورية عام 1961، ودرس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق قبل أن ينال الدكتوراه من المعهد العالي للفنون التشكيلية في مدينة مونس البلجيكية. وبعد عودته إلى سوريا، أصبح من أبرز الأسماء المؤثرة في المشهد الفني الدمشقي، وأسهم في دعم وإلهام جيل جديد من الفنانين التشكيليين. ومع تطور أسلوبه الفني عبر السنوات، بات يُنظر إليه كحلقة وصل مهمة بين الفن العربي الحديث والمعاصر.

وتوجد أعماله اليوم ضمن مجموعات فنية مرموقة حول العالم، من بينها Institut du Monde Arabe في باريس وBarjeel Art Foundation في الشارقة. ورغم هذا الحضور العالمي، تبقى أعماله شديدة الخصوصية، قائمة على الصمت والتأمل والتعبير عن التعقيدات الخفية للنفس البشرية.

ومن خلال معرض العين: نافذة إلى الروح، يدعو Safwan Dahoul الجمهور إلى الدخول في عالم تتداخل فيه العزلة مع البقاء، ويتحول فيه الانتظار إلى حالة وجودية طويلة، بينما تواصل الروح بحثها عن الضوء حتى داخل أكثر المساحات انغلاقًا.